إعلان - Advertisement

كوميديا سوداء عن أحلام بنات مؤجلة

لدينا خزينة من الأحلام التي تقف على طابور التنفيذ، نحن الفتيات، أحلامنا يسودها الوردية وواقعها ظلامي، هنا أقدم نبذة عن أحلام بنات صُدمت بواقعٍ مرير.

أحلام بنات إطارها عبارة عن هالة سوداء بنكهة كوميدية

بماذا سأبدأ؟… هممم، دعنا نرى، بالتأكيد سأبدأ بالتعريف عن نفسي!!، أنا ناي فتاة يافعة ونابغة ولدي الكثير والكثير من الأحلام!.

بدأ الأمر منذ أن غفوت ذات مرة ورأيت نفسي واقفة على عتبة المسرح والجميع يصفق لي… هيييييه إنها لحظة رهيبة تحمل داخل طيّاتها لذة لا يمكن وصفها، يصفقون لـ نجاحاتي، أما عن ماهية تلك النجاحات… فهي وبـ اختصار، مجهولة الهوية… المهم أنهم يصفقون لي أليس كذلك؟.

ثم ارتفع صوت أحدهم وهو يقول، نااااي… استيقظي، هيا كفاكِ سباتاً لا ينتهي… أوه صوت من هذا، قلتها في نفسي وأكملت، من.. من أنت؟؟ حتى استيقظت على صوت أمي وهي تضرب يديها بعضهم ببعض وترفع من حدة التوبيخ بجملة “لك قووووومي ياخمة” لأنني تأخرت في النوم وهنالك الكثير والكثير من “الجلي” كما نقولها بالعامية… أي الكثير والكثير من النجاحات في غسل الأطباق والملاعق!!.

شكراً ماما، تلك المحاضرات الصباحية والمسائية ومابعد الظهيرة، تُشعرني بأنني حية، تُشعرني بأن هنالك طبيبٌ أحمق طلب منك أن تعطيني دواء “البهدلة” في الصباح، وما بعد الظهيرة ومساءً، ثم تُنهي تلك العقاقير بإعطائك لي للعقار الأثقل عياراً، عِقار “أنتِ لا تصلحين لشيء ولا حتى لأن تكوني ابنة صالحة” ثم يتبعها القول هذا والذي سأذكره بالعامية: “الله يريحني منكم كل عمركم معذبيني، الله لايحيجني لواحد منكم”.

وهذا بالطبع فقط لأنني طلبت منها أن تعطيني خمسة دقائق حتى أكون أكثر تركيزاً لأنني لم استفيق من سُباتي مثلما وصفت، وبهذا تجدني أمي بأنني سبب تعاستها، وبأنني لا أصلح لشيء وكذلك بأنني المغضوبة!!.

نهضت وأنا أمسح خيبتي من أعلى جبيني وأطلق ابتسامة كادت أن ترفع من ضغط أمي أكثر… اسرعي أيتها السلحفاة؛ وبالطبع هذا اللقب في نظر أمي يأتي على قدر البطء الذي تراني عليه، حينها نهضت وأنا أحاول الإسراع علّها تراني ولو لمرة أنني أتفوق على الفهد في السرعة، ولكنني رأيتها تقذف من فمها الحنون تمتمات تحمل في طيّاتها شتائم لم أتمكن من التقاطها… الحمدلله!!.

حسناً، بدأت بغسل الأطباق وأنا أسرح في الخيال، وإذ بي أذهب… إلى المنصة مرة أخرى، وهنالك أشخاص كُثر يقومون بتكريمي لكوني الكاتبة ناي… هيه شكراً شكراً إنها اللحظة التي عملت جاهدة حتى أصل إليها، أُهدي هذا النجاح لكم ولعائلتي، وأخصُّ بالذكر أمي… تلك المرأة التي عملت لكي تضعني هنا… نااااااااااااااااااي.

أمي!! ماذا هناك؟… وللأسف كانت غاضبة لأنني استهلكت وقتاً مبالغاً به بحسب وجهة نظرها في غسل تلك الأطباق التي وصلت حتى حدود الخزانة أو تلك الأواني وغيرها وعليّ أن أتوجه لشراء أغراض المنزل سريعاً.

الأطفال في الشوارع يلعبون في الكرة ونساء الحي تتجمعنّ لالتقاط أخبار الجيرة وتداولها مثلما يتجمع السياسيون حول الطاولة لمناقشة أمور الشعوب ثم يخرجون منها وهم يطلقون السلامات والتحيات لبعضهم البعض من بعيد وفي داخلهم شتائم لبعضهم البعض كذلك الأمر.

ثم تذكرت شيئاً، عليّ أن أكمل مسيرتي في مجال الإعلام، هنا شغفي، هنا دراستي، هنا أنا… ناي حيث تُطلق صوتها لعامة الناس وتبدأ بسرد أفكارها وتجاربها على الملأ، إضافةً لحديثها عن كتابها ومؤلفاتها التي سبق لها أن وصلت لقمة النجاح بها، أو هذا ما تحلم به على الأقل…

ثم… ارتطم برأسي جسمٌ دائري جعل أنفي المستقيم يتحول إلى شبه منحرف، وعينيّ تدخلان ببعضهما البعض، ووجهي اللطيف هذا تحوّل إلى الشكل الذي لا تعلم أين معالمه… لقد طُمست بالتأكيد هاه!!.

إنها الكرة، يا لجمال الطفولة وحلاوة الأطفال… هذا كما يسمى “بوكس” الحياة، أو حركة “جون سينا” لإعادتك إلى الواقع المشؤوم، ما الذي تتخيلينه يافتاة، انظري نحو الواقع، لا يمكنك الدراسة لأنك لا تملكين حق الانتقال إلى محافظة أخرى لإكمال دراستك في هذا الاختصاص، وذلك فقط لكونك “بنت” في مجتمع شرقي ذكوري يُعرضك لوابلٍ من التوبيخات والنظرات والقهقهات والتمتمات.

استيقظي هيا، ما رأيك أن نحلم بما تحلم به كل فتاة لا طموح لها لأن تنجح في المجال المهني والاجتماعي الحياتي؟ دعينا نحلم كما تحلم الفتيات الساذجات!!.

فستان أبيض، طرحة مطرزة تصل حتى حدود الصالة كلّها، وشابٌ عريض المنكبين وشعرٍ أسود ولحية جذابة!، هممممم، هذا الشاب لا يشبه “صطيف” الذي أحب!!.

صطيف شاب في مقتبل العمر، قصير القامة، جسده هزيل ونحيل ويترك بنطاله يسقط ليصل حتى وركيه ويقول بأن هذه الحركة تدل على أنه شاب “كول” وبصراحة “كتير كول” للدرجة التي تجعلني انظر إليه من بعيد وأشعر برغبة شديدة لأن أركض وأمسك بنطاله وأتركه ينزل لعلّه يخجل من نزوله السريع وظهور سرواله الداخلي أمام العامة!!.

لكن هذا الفعل مشين أليس كذلك؟ عليّ أن أقبل بهذا الشاب لأنه يحبني ولكوني أرغب في أن أنجح في شيء، على الأقل أنجح بأن أبني أسرة متفاعلة، متينة، مُحبة، اقترب صطيف مني وقال وهو يمسح فمه بطرف يده “كيفك ياقطة”؟.

هاه؟… “مياو…. شو هي قطة لك صطيف؟” فتمتم مزمجراً: “أي شبنااااا عم نهز الورد لنشمو، معقول تردي تقولي مياو؟”، أردفت قائلة: “ولله يلي بدو يناديلي قطة بدي حاكيه بلغة القطط، بعدا شبك هيك مالك حيل تتحرك شد حيلك” ثم ذهبت في شرودي، إلى صالة العرس معه…

يقف بجانبي بقامته القصيرة الهزيلة، وأنا بحذائي ذو الكعب العالي أتفوق عليه طولاً، ندخل الصالة، وهو يترنح يميناً ويساراً ويشير بيده لأصدقائه بحركة رفع الخنصر والسبابة وينادي بصوته العالي “كيفك برو” “عقبالك ياوحش”، ويلتفت لإظهار رجولته المستفحلة بعرض رقصة “البلطجية” على أغنية “أخواتشييي” وأنا أتأمل خيبتي وأوّدع مستقبلاً أخر من الأحلام لكوني اخترت هذا “أباً لأطفالي”.

ثم… استيقظت من شرودي وأنا أنطق بكلمات لم أعلم كيف خرجت: “صطيف… نحن لازم نترك… لك حتى اسمك غريب… أنو ليه مابتحب ناديلك مصطفى وخلص؟… ليه أجواء صطيف الأعمى لك عمي؟”.

ردّ صطيف وهو يبصق اللبان من فمه: “لك شبك لك بنتي… ولله ماحاكيناكِ شي، العادة طاول ها”، فأجبته بفكاهة هرمون اللامبالاة: “ولله خالتو فريدة ماتعرف أني تركتك لتنزعج ميكن ميكن، أي طاول طاول أنا شعي هاه، ماعاد بدي ياك لك أبوي، روح من وشي يخرب بيتك من حالك”.

ياااااا لخيبتي… وبؤس أحلامي… لم يعد هناك أحلام… لا في الكتابة ولا الإعلام ولا حتى الزواج، أنا وعلى مايبدو، سأبقى داخل تجاويف أحلام البنات المؤجلة، تلك التي لا يتحقق منها شيء، حتى أن الله يرسم لنا أشياءً مخالفة تماماً لِما بنيناه، لذا، لا مكان لعتبة المسرح والتكريم، ولا لإهداء النجاح لتلك التي تُمطرني بوابل التوبيخ بدلاً من الدعم، ولم أفلح حتى في دراستي ولم يُهيئ الله لي سبيلاً لأكمل، ولا حتى ذاك الأرعن الهزيل “صطيف، أبو بنطلون ساحل”.

نجاحي يكمن، خلف المغسلة وأنا أُغني “اللي قادرة على التحدي لآمال ماهر” وأغسل الأطباق وأنا أُديرها متخيلة أنها “دركسيون” السيارة، ثم أبدأ بتنظيف المنزل ممسكة الممسحة ومُهنئة نفسي على تكريمي كأفضل عاملة نظافة للمنازل، ثم أقوم بنشر الغسيل وأنا أتخيلها لافتة تحمل اسمي وصورتي وتوقيعي لإصداري أول كتاب بـ اسمي، وأربط على خصري مئزر “الجلي” معتقدة أنه فستان عرسي كأجمل عروس على “كوشة” المغسلة.

وبهذا… تنتهي جميع الأحلام… وإلى لقاءٍ آخر بأحلام مؤجلة وأكثر سوداوية… دمتم سالمين.

تم التدقيق بواسطة: فريال محمود لولك.

تم نسخ الرابط

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

فريال محمود لولك

الكتابة هي السبيل للنجاة من عالمٍ يسوده الظلام، ننقل بها سيل المعلومات لتوسيع مدارك القارئ المعرفية، أنا فريال محمود لولك، من سوريا، خريجة كلية التربية اختصاص معلم صف، وكاتبة منذ نعومة أظفاري، من وحي المعاناة وجدت في الكتابة خلاصي، ورأيت بها نور الله الآمر بالعلم والمعرفة، فاقرأ باسم ربك الذي خلق. فإن القراءة هي الطهارة لعقلك من كل جهل.