قراءة في الملامح النفسية والشعرية للشاعر أحمد نناوي
عزلةٌ تضيءُ البيان، قراءة في الملامح النفسية للشاعر المتفرد أحمد نناوي “كان انطوائيًّا فأصبحَ شاعرًا ومشى على أثر البيان كما مشى”.
من هذا المفتاح الشعري، يمكننا الولوج مباشرةً إلى المحترف النفسي لدى أحمد نناوي.
(أحمد مصطفى إبراهيم، مواليد قرية “ننا” بمحافظة بني سويف ١٩٨٨م). لم تكن الانطوائية لديه انكفاءً سلبياً على الذات، بل كانت “اعتكافاً إبداعياً” تحولت فيه العزلة إلى محبرة، والصمت إلى إيقاع.
استبدل ضجيج العالم الخارجي بهديل القوافي، مقيماً في منطقة برزخية بين هدوء قرية الصعيد الأولى، واحتدام التجربة الشعرية الحديثة.
القرية كـ “نافذة روحية” عند أحمد نناوي
لم يخلع نناوي جلباب قريته حين أطلّ على المنصات الكبرى مثل (مشاركاته البارزة في برنامج أمير الشعراء ومهرجان الشارقة للشعر العربي)، بل جعل من بساطة القرية ونقائها طابعاً يتلوّن به خطابه الشعري. إنّه يقرأ الذات الإنسانية عبر مرايا خاصة؛ فالقصيدة عنده ليست مجرد استعراض لغوي، بل نافذة يفتحها لجمهوره ليقول لهم: “ما تشعرون به، قد مرَّ بقلبي أولاً”.
بين قدسية اللغة ومحاريب البيان
تتجلّى في شعر نناوي نزعة إيمانية وجلال لغوي واضح، يمتد من شغفه باللغة العربية باعتبارها وعاء الإعجاز وسر الكشف.
ففي قصيدته (المعجزة)، لا يقف عند حدود الوصف الظاهري للغة، بل يبحر في أبعادها القدسية والنفسية:
هَذا مَقَامٌ شَاعِرِيٌّ كُلَّمَا … هَامَتْ رُؤايَ بهِ أبوحُ وَأُبحِرُ
لُغَةٌ بآياتِ الكتَابِ تَنَزَّلَتْ … سُبْحانَ مَنْ أوْحَى بها وَيُفَسِّرُ
فِيْ سِرِّهَا الكوْنِيِّ كمْ مِنْ آيةٍ … فِيهَا هُدًى للنَّاسِ كيْ يَتَفَكَّرُوا
فِيهَا بَيَانٌ مُعْجِزٌ فِيْ ذاتِهِ … وَرَشَاقَةٌ.. وَمُرُونَةٌ.. وَتَحَضُّرُ
يظهر هنا بوضوح كيف يتكئ الشاعر على الجزالة الكلاسيكية ليصوغ بها حساسية معاصرة؛ فاللغة عنده ذات حية تتصف بـ “الرشاقة والتحضر”، وهي الملجأ الأخير الذي يمنحه الوقار والسكينة وسط اضطراب الوجود.

الشاعر المعاصر بين زحام الصراع الداخلي وحيلة المهرب
وإذا كان النص السالف يمثل قمة التماسك واليقين، فإن وجه المأساة الشفيفة يظهر في نصوصه الوجدانية ذات الإيقاع الخفيف والمعنى العميق.
يمرر نناوي مشرطه على صراع النفس بين الحنين والمكابرة، كما في مناجاته الشجية:
ماذا تريدُ؟
أريدُ أنْ أنسى
وأريدُ يومًا يشبهُ الأمسا
وأريدُ نايًا
كلَّما همستْ
روحي بما تهوى؛ بكى همسا
تصل هذه المفارقة النفسية ذروتها في القفلة الساخرة – المتألمة التي تختصر التناقض البشري بين الرغبة في التذكر والرغبة في الفناء الذاتي:
وأريدُ
قافيةَ القصيدةِ لا
تنأى ولا تستبعدُ المرسى
وأريدُ
شيئًا لستُ أذكرُهُ
عفوًا،
ذكرتُ،
أريدُ أنْ أنسى
هنا ينقلنا الشاعر من دائرة الشكوى إلى الوعي بالذات؛ فهو يطلب النسيان ثم يتذكر أن ما يطلبه هو النسيان بعينه! إنها دائرة مغلقة تعكس حيرة الإنسان المعاصر ورغبته في التحرر من ثقل الذاكرة.
المشهد التأويلي وأبرز محطات الشاعر نناوي
تنسجم هذه الرؤية النفسية مع النتاج الفكري المكتوب للشاعر؛ إذ تنطق عناوين أعماله بما يحمله في الداخل: من (صغير يرى العالم) الذي يعكس دهشة الطفل المنطوي، إلى (كما لو كنت أعرفه)، و(ما لم يقله المتنبي)، و(عودة الأثر الغائب)، وصولاً إلى (سفر إلى آدم).
وهي أعمال تُوِّجت بحفاوة نقدية وجوائز متعددة، منها: “جائزة توليولا الإيطالية” في فرع الشعر العربي، وجائزة “اتحاد الكتاب”، ومسابقة “مجلة المجتمع” الدولية بالكويت في المدح النبوي.
إن أحمد نناوي يمثل صوت الشاعر الذي لم تختطفه مدنية القول المائعة، وظل متمسكاً بأصالة المفردة، يكتب لا ليرتفع فوق الناس، بل ليمشي على أثر البيان، ويمنح عزلة كل إنسان منا معنى وقصيدة.
أكادُ أجزمُ أن الناس أسئلةٌ
وهذه الأرض قاموس الإجاباتِ
وقد تكون قريبًا قرب أوردتي
وأنت أبعد من صدق احتمالاتي
فليس قربك مني أن تكون معي
وليس بعدك عني بالمسافات.





