أخطأتُ حين كنتُ طيّباً أكثر من اللازم

كنتُ دائماً الحاضر الذي لا يغيب، أساند وأساعد دون حساب، معتقداً أن الوفاء شيء متبادل، ولكنني أخطأتُ حين كنتُ طيّباً.

أخطأتُ حين كنتُ طيّباً لأن الطيب لا يُحترم بل يُستَغل

كنتُ دائماً هناك، في أول الصف، في أول صوت، في أول لحظة يرتبك فيها أحدهم من حولي، كنتُ أتحرّك بلا تردّد، أمدّ يدي، وأبذل وقتي وقلبي وجهدي.
مهما كان الشيء بسيطاً أو معقّداً، كنتُ أرى الحضور واجباً لا خياراً، كنتُ أهرع وكأنّ الأرواح تُنادي عليّ بالاسم.
لم أكن أفكّر إن كان هذا “لي” أم لا، كنتُ فقط أقول لنفسي: “لا يصحّ أن يُترك أحدٌ بمفرده”.
فكنتُ أركض… أركض لحلّ أزمة، لفكّ عقدة، لأكون الظهر والسند.
كنتُ أظهر في لحظاتهم العالقة بين الانهيار والنجاة.
كنتُ موجوداً حين اختفى الجميع.
كنتُ أنتشِل من أحبّهم من الظلام إلى النور، من العدم إلى الحياة، دون أن أطلب شيئاً، ودون أن أُذكِّر يوماً بما فعلت.
كلّ من عرفني، عرف هذا عني.
أنا الذي لا يتأخّر، لا يتخلّى، لا يتردّد.
لكنّ شيئاً ما بداخلي بدأ يتصدّع.
ليس لأنني ضعيف، بل لأنني أصبحت أرى.
أصبحت أرى حين أقع… لا أحد.
حين أختنق… لا صوت.
حين أحتاج… لا حضور.
وقفتُ مرة أمام نفسي، وسألتها: “أين ذهب كل الذين كنتُ أركض نحوهم؟”
لم أسمع جواباً، فقط صمتٌ قاسٍ يشبه خذلانهم.
فهمت أنني أخطأتُ حين كنتُ طيّباً.
وأن الطيبة الزائدة، في عالمٍ مثل هذا، تُؤكل بلا شكر.
فهمت أنني إن استمريت هكذا، سأنكسر أنا، ولن يهتزّ فيهم شيء.
فقررت أن أتغيّر، لا لأنني كرهت أحد، بل لأنني تعبت.
قررت أن أرى النيران ولا أُطفئها.
أن أرى الانهيار ولا أركض نحوه.
أن أكون “سيئاً” فقط لأحمي الباقي من قلبي.
لن أندم، لأنني لم أكن الخاسر في هذه الحكاية، بل كنتُ الأكثر نقاءً فيها.

وفي النهاية، تبقى الحياة سلسلة من التجارب والدروس التي لا تنتهي، وهذا درسٌ عميقٌ تعلمته في طريقي، جعلني أقوى وأشدّ استعداداً لمواجهة كل ما هو قادم بثقة وثبات.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إسكندر علي

أنا كاتب أؤمن بقوة الكلمة وأهميتها في توصيل الأفكار، أسعى دائماً لتطوير أسلوبي وصياغة محتوى يترك أثراً في القارئ، وأرى الكتابة كوسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر والتأثير بشكل إيجابي على الآخرين.
زر الذهاب إلى الأعلى