إعلان - Advertisement

أرشيف الانكسار – حين كانت الرسائل تذهب إلى العدم

في أرشيف الانكسار، قرأتُ رسائلَ لا تشبهني، لا تحمل شيئاً من كرامتي، فقط صوتاً يتهالك بين الكلمات، يتوسّل الاهتمام، ويشحد الحب كمن يمدّ يده في الشارع، بلا وجه، بلا اسم.

أرشيف الانكسار – إنسانٌ بلا كرامة

فتحتُ محادثةً قديمة، لا أعرف ما الذي ساقني إليها، ربما حنينٌ مريض، أو لحظة فراغٍ أرادت أن تفضحني، أو ربّما حاجة خفيّة لأن أصفع نفسي بما هربتُ من رؤيته طويلاً أو الرغبة في جلدِ الذات.

فتحتها، فوجدتني.
نعم، كنتُ هناك… لكن لا كما أنا اليوم، بل في صورةٍ مشوّهة، لا أعترف بها، إنسانٌ بلا كرامة، يمدُّ قلبه كالسائل، يُلقيه أمام مَن لا يراه، في كلّ مرة، كأنّه يُقنع الباب المغلق أن يصبح نافذة.

كنتُ واضحاً أكثر ممّا يجب، ضعيفاً أكثر ممّا يُحتمل، أركض خلف من يبتعد، وأبعث الرسائل تباعاً كمن يُلقي بنفسه في النار، وأنتظر الردّ كما ينتظر الغريقُ طوقَ النجاة… ولا يأتي.

كنت أخلق الأعذار، أقدّم التبريرات، أحمّل نفسي خطأ كلّ تجاهل، وأقنع قلبي بأن الصبر فضيلة، بأن الحبّ لا بدّ أن يثمر، بأن الانكسار عبور…
وكلّ هذا كان كذباً.

هو لم يكن يراني.
كان يهرب، يُراوغ، يردّ باقتضاب أو لا يردّ إطلاقاً لأيام.
وأنا؟
كنت أفسّر هروبه بالانشغال، وأجمّل إهماله بالصمت النبيل، كنتُ ألتقط من الفُتات وجبةً وهميّة، وأصفّ خيبتي بعناية، ثم أسمّيها تضحية.
كلّ رسالة بعثتُها كانت نداءَ نجدة، لا يسمعه أحد.
وكلّ كلمةٍ وصلتني منه كانت صفعةً، وأنا أبتسم.

يا لخيبتي.

لم يكن حبّاً، بل ذلاً.
وأسوأ ما يعيشه الإنسان أن يحتاج من لا يحتاجه، أن يتحوّل إلى ظلٍّ يتبع أحداً فقط لأنّه لا يحتمل وحدته.

العدوّ لم يكن الآخر، بل أنا.
هو لم يكن المشكلة.
أنا كنتُ المشكلة.

أنا مَن خذلتُ نفسي، مَن وضعتُها في موضعٍ لا يليق بها، وجعلتُ من التمسّك بغير المستحق بطولةً كاذبة، ومن الذلّ شجاعةً كاذبة، ومن الانكسار حبّاً نبيلاً.

كنت أعمى.
وما أقسى العمى حين يكون في الكرامة.

الكرامة ليست رفاهية، إنها آخر ما يُبقيك إنساناً حين تنهار العلاقات.
وحين تتخلّى عنها، لا تبقى إلّا حطاماً، تزيّنه الكلمات، وتخدعه الذكريات.

جنازة صامتة.
ها أنا أقرأ رسائلي الآن…
كأنّي أشاهد جنازةً لا تنتهي، جنازةً أكون فيها الميّت والمشيّع، بلا دموع، بلا عزاء، فقط اعترافٌ موجع:
أنّي كنتُ أذلّ نفسي طواعية، وارتديتُ وجهاً لا يشبهني، لأحافظ على وجودٍ مزيّف، في قلبٍ لم يعد يراني أصلاً ولايهتم لوجودي.

لم أعُد هناك.
لكنّ ما قرأته سيظلُّ بداخلي… كصفعةٍ لا تُنسى.

يُذكّرني دوماً أنَّ الانكسار لا يصنع حبّاً.
وأنَّ من لا يحتمل حضورك، لن يبحث عن غيابك أبداً.

لم أختر الذلّ، ولم أتعمّد العمى، بل كنت أسيرَ ذلك الطريق بلا وعي، ضائعاً بين أروقة ضعف نفسيّ، وأوهام حبٍّ مُفلس، لم أكن بطلاً، لكنني لم أكن خائناً لنفسي، بل كنت ضحية زمنٍ قاتم، وواقعٍ لا يرحم.
اليوم، لا أبرر ذلّي، لكنني أُنصف قلبي الذي عانى، وأقف شاهداً على جرحٍ لا يشبهني، ولا يحدّدني.

تم نسخ الرابط

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement