أمي تحب الخير للجميع وجعلتني مثلها بقلم: نور الهدى خليل
أمي من الأشخاص الذين لا أعرف كيف يمرّون في الحياة بهذا القدر من الخير.
تستطيع أن تختلف مع شخص،
ثم تدعو له بالخير.
تستطيع أن يجرحها أحد،
ثم تقول:
- «الله يهديه».
لا تحمل الكراهية طويلًا.
ولا تفرح عندما يسقط شخص كانت بينهما خلافات.
وإذا سمعت أن أحدًا يمر بوقت صعب، تنسى كل شيء بينهما وتسأل عنه.
كنت أراقبها وأنا صغيرة، ولم أفهم ذلك.
كنت أظن أن الطيبة تعني أن تسمح للناس بأن يفعلوا ما يريدون بك.
ثم كبرت.
وفهمت أنها لم تكن ضعيفة أبدًا.
كانت فقط تملك قلبًا لا يحب أن يحمل الشر.
كانت تقول لي دائمًا:
- «تمني الخير للناس، حتى لو ما كانوا بيحبّوك».
لم أفهم معنى هذه الجملة في البداية.
- كيف أتمنى الخير لشخص آذاني؟
- كيف أفرح لنجاح شخص لم يفرح لنجاحي؟
- كيف أدعو لشخص جعلني أبكي؟
لكن أمي لم تكن تطلب مني أن أنسى ما فعله الآخرون.
كانت تعلّمني شيئًا مختلفًا.
كانت تعلّمني ألا أجعل أخلاق الآخرين تحدد أخلاقي.
إذا كذب أحدهم، لا تكذبي.
إذا ظلمك أحد، لا تظلمي.
إذا أساء إليك شخص، لا تجعلي الإساءة تتحول إلى جزء منك.
كنت أسمعها…
ومع الوقت، بدأت أكتشف أنني أصبحت أشبه بها.
صرت أفرح عندما ينجح شخص، حتى لو لم أكن قريبة منه.
وصرت أتمنى الخير لأشخاص خرجوا من حياتي.
وصرت أقول:
- «يمكن هو أيضًا عنده أشياء أنا ما بعرفها».
لم يعد يهمني أن أنتصر في كل خلاف.
أحيانًا يكفيني أن أخرج منه دون أن أخسر نفسي.
وهذا أكثر شيء أخذته من أمي.
أن تكون إنسانًا جيدًا لا يعني أن الجميع سيعاملك جيدًا.
لكن يعني أنك لن تسمح لسوء الآخرين أن يحوّلك إلى شخص لا يشبهك.
أمي لم تعلّمني كيف أكون قوية بالصراخ.
علمتني قوة أخرى.
أن أستطيع الرحيل دون أن أكره.
أن أضع حدودًا دون أن أؤذي.
أن أقول «لا» دون أن أشعر بالذنب.
وأن أتمنى الخير لشخص…
حتى لو لم يعد جزءًا من حياتي.
وأحيانًا، عندما أتصرف بطريقة تجعلني أشعر بالفخر بنفسي، أتذكرها.
وأقول في داخلي:
- «هذه منك يا أمي».
لأن بعض الأشياء التي نتعلمها من أمهاتنا لا تكون كلمات.
تكون طريقة نظر إلى الحياة.
طريقة تعامل مع الناس.
طريقة مسامحة.
طريقة احتواء.
وطريقة حب لا تحتاج إلى مقابل.
ربما لم تعطِني أمي كل الإجابات عن الحياة.
لكنها أعطتني شيئًا أهم:
- قلبًا لا يريد الشر لأحد.
وهذا في عالم مليء بالغضب…
نعمة كبيرة.
- قد أختلف.
- قد أغضب.
- قد أبتعد.
- وقد أغلق أبوابًا لن أفتحها مرة أخرى.
لكنني لا أريد أن أعيش وفي قلبي رغبة بأن يتأذى أحد.
ليس لأن الجميع يستحقون مني الحب.
بل لأنني لا أريد أن أحمل الكراهية معي أينما ذهبت.
أريد أن أبقى أنا.
الفتاة التي علمتها أمها أن الخير لا ينقص عندما نعطيه.
وأن فرحتك لغيرك لا تأخذ شيئًا من فرحتك.
وأن دعاءك لشخص لا يعني أنك تريد عودته إلى حياتك.
وأن التسامح لا يعني نسيان ما حدث…
بل يعني أنك قررت ألا تسمح لما حدث أن يفسد ما تبقى منك.
لهذا، عندما يقول لي أحدهم:
- «أنتِ طيبة كثير».
أبتسم.
لأنني أعرف من أين جاءت هذه الطيبة.
جاءت من امرأة كانت تستطيع أن تقسو…
لكنها اختارت أن تبقى رحيمة.
وجاءت من أم علّمتني، دون أن تعرف ربما، أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان في هذه الدنيا…
ليس ماله، ولا اسمه، ولا الأشياء التي امتلكها.
بل أثره في قلوب الآخرين.
وأمي تركت في قلبي أثرًا لن يزول.
هي تحب الخير للجميع…
وجعلتني أحب الخير مثلها.





