إعلان - Advertisement

أنا واليُتم، أنا الفتاة التي تيتمت منذ تسع سنوات

تسع سنوات مرّت، لكن بعض الغياب لا يُقاس بالسنوات، لأن هناك أشخاصًا حين يرحلون لا يتركون مكانًا فارغًا فقط، بل يتركون فراغًا في القلب لا يشبهه شيء.

كنت صغيرة حين عرفت معنى أن يصبح الأب ذكرى

لم أفهم في البداية ماذا يعني اليُتم حقًا.
لم أفهم لماذا أصبح البيت أكثر هدوءًا، ولماذا أصبحت أبحث بعينيّ عن وجهٍ لن يدخل من الباب مرة أخرى.

كنت أعرف فقط أن هناك شخصًا أحببته كثيرًا… ثم اختفى من حياتي.

ومع مرور الأيام، بدأت أفهم.

فقدان الأب ليس مجرد فقدان شخص.
الأب هو الأمان الذي لا نفكر بوجوده، لأننا اعتدنا أن يكون موجودًا.
هو اليد التي نبحث عنها عندما نخاف، والصوت الذي يمنحنا الطمأنينة، والوجه الذي نشعر أمامه أننا مهما كبرنا، ما زلنا أطفالًا.

وحين يرحل الأب، نشعر وكأن جزءًا من طفولتنا رحل معه.

كبرتُ وأنا أحمل في داخلي أسئلة كثيرة.

  • كيف كان سيكون شكلي لو كان أبي هنا؟
  • ماذا كان سيقول لي عندما أنجح؟
  • هل كان سيفخر بي؟
  • كيف كانت ستكون لحظاتي الأولى في الجامعة؟
  • ومن كان سيبتسم لي عندما أخبره عن أحلامي؟

أسئلة لا تملك الأيام إجابات عنها

وأصعب ما في اليُتم أن الحياة تستمر.

تستمر الأيام، وتأتي المناسبات، ونكبر، وننجح، ونضحك… لكن هناك شخصًا نتمنى لو كان حاضرًا ليرى كل ذلك.

أحيانًا لا أبكي لأنني حزينة فقط، بل لأنني أتمنى لو كان أبي هنا لأخبره عن كل شيء.

  • عن خوفي.
  • عن نجاحي.
  • عن أحلامي.
  • عن الأشياء الصغيرة التي لا يعرف أهميتها إلا الأب.

تعلمت خلال هذه السنوات أن اليُتم لا يعني أن الإنسان يعيش بلا حب، لكنه يعني أن هناك حبًا واحدًا لا يمكن تعويضه.

وتعلمت أيضًا أنني لست ضعيفة لأنني فقدت أبي.

على العكس…

ربما جعلني اليُتم أكبر من عمري، وأكثر فهمًا للحياة، وأكثر تقديرًا للأشخاص الذين بقوا إلى جانبي.

أنا الفتاة التي فقدت أباها، لكنها لم تفقد حلمها.

أنا التي عرفت الألم مبكرًا، ومع ذلك ما زلت أحلم بمستقبل جميل.

أحمل غياب أبي في قلبي، لكنني لا أريد أن يكون هذا الغياب نهاية قصتي.

أريد أن يكون جزءًا منها فقط.

أريد أن أنجح، لا لأثبت للعالم شيئًا، بل لأصل إلى يومٍ أستطيع فيه أن أنظر إلى السماء وأقول:

“أبي… كنت أتمنى أن تكون هنا لتراني، لكنني حاولت أن أكون الفتاة التي كنت ستفتخر بها”.

تسع سنوات مرّت…

وما زال أبي حاضرًا في تفاصيل كثيرة لا يراها أحد.

  • في دعوةٍ أرفعها إلى الله،
  • في ذكرى تمرّ فجأة،
  • في موقفٍ أتمنى لو كان فيه بجانبي،
  • وفي حلمٍ كبير أتمنى أن أصل إليه يومًا.

أنا الفتاة التي عرفت اليُتم،
لكنني لن أسمح لليُتم أن يعرّفني بالكامل.

أنا أكثر من فقدي.

أنا أحلامي، ومحاولاتي، وصبري، والأيام التي قاومت فيها الانكسار.

وربما كان أبي جزءًا من الماضي الذي لا أستطيع تغييره…

لكنني أستطيع أن أجعل مستقبلي شيئًا يستحق أن أراه.

أنا الفتاة التي فقدت أباها منذ تسع سنوات…
لكنها ما زالت تحمل في قلبها حبّه، وفي عينيها حلمًا، وفي روحها قوةً تقول:
سأكمل الطريق.

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

نور الهدى خليل

كاتبة شغوفة بالكلمة والأفكار التي تلامس الإنسان من الداخل. أكتب بأسلوب بسيط وعميق، وأهتم بالمواضيع النفسية والاجتماعية وتفاصيل الحياة التي نعيشها ولا نجد دائمًا الكلمات المناسبة للتعبير عنها. أؤمن أن المقال الجيد لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يترك سؤالًا أو شعورًا يبقى مع القارئ بعد انتهائه.