أين يذهب فقيرك يا بلادي؟ فأرضك ضاقت عليه بما رحبت
تزخر بلادي بالكثير من الشواطئ والمنتزهات التي تستطيع استيعاب مئات الأشخاص، ولكنها تقتصر على من امتلأت جيوبهم بالنقود، فأين يذهب فقيرك يا بلادي؟
أين يذهب فقيرك يا بلادي؟
أردت في ذلك اليوم أن أحتسي فنجان قهوتي وأنا ناظرة إلى أمواج البحر العاتية، التي عندما تضرب الصخور أشعر بتهشم الأفكار الصارخة في رأسي، فأعود إلى منزلي وداخلي دفء لا يعرفه ديسمبر.
جلست في مقعد بعيد عن الضوضاء، حولي الكثير من الطاولات، أطباق الحلوى، فناجين القهوة، إضاءة خافتة، تُقلد أشعة الشمس، ولكنها باردة، تنبعث من أركان المقهى الذي يحيط به الزجاج من كل ناحية.
“هل تودين تناول قهوتك المفضلة، أم تريدين شيئاً آخر اليوم؟” على الرغم من أن النادل في كل مرة يطرح عليّ ذلك السؤال، فتكون إجابتي: “المعتاد” فيجلب لي فنجان الحبوب البنية دون الإكثار في الحديث.
إلا أنني في هذا اليوم فاجأته برغبتي في الإطلاع على قائمة الأسعار، أو ما تُسمى بـ (المنيو) وضعها أمامي على الفور ظناً منه أنني أود الاطلاع على الأصناف الجديدة التي يقدمها المقهى.
بدأت عيناي تجول بين سطور القائمة، هذا سعره خمسون جنيهاً، وهذا خمس وسبعون، وهذا يبدأ من مائة وعشرين ولكن في حالة إضافة نكهة يزيد السعر عشرة جنيهات…
هذا بخلاف الرسوم الإضافية وضريبة القيمة المضافة.
وبينما كنت أحاول الاختيار من بين العديد من الأصناف لأُجيب النادل، فإذا بطفل صغير ممسك بيد أمه يبكي بصوت مرتفع خارجاً، يود رؤية البحر، والذي يعلم أنه أصبح حكراً على المقاهي ذات القوائم المُسعّرة التي تظن أنه إحسان منها تركها مسافة لا تزيد عن خمسين سنتيمتراً لمرور مثل هذه الفئة من الأشخاص.
حاولت الأم المكلومة تهدئة طفلها فحملته وهي تشير إليه عبر الحواجز الزجاجية أملاً في أن يرى جزءً من اللون الأزرق فيشعر قلبه بأن حلمه برؤية البحر أصبح حقيقة على الرغم من أنه لم يدفع الكثير من الأموال مثلي ومثل غيري.
طويت قائمة الأسعار دون النظر في بقيتها، أعطيتها للنادل وطلبت منه (المعتاد).
في هذه اللحظات طرق الحنين أبواب قلبي، ليستدير رأسي وتنظر مقلتاي إلى صخور كانت في يوم من الأيام مجلسنا بينما كنا صغاراً، لا مقاهي، لا قوائم أسعار، ولا جدران زجاجية.
بل أوراق من جريدة قديمة، والقليل من الترمس، واستمتاع لا ينتهي بالنسمات العليلة ورؤية الشمس وهي تحتضن المياه الزرقاء لتغيب في سلام وتعود في اليوم التالي، تُشرق فتُشرق معها أحلامنا دون حائل.
صياد يرمي شباكه ويدعو الله أن يرزقه من خير البحر الوفير، أُسر في كل جانب، أم تنادي على طفلها الذي يلامس الماء بقدميه الصغيرتين، وأب يعطي ابنته القليل من حبوب دوار الشمس ويخبرها بأن المحمصة التي قام بشرائه منها قامت بتحميصها للتو.
لم تكن هناك طاولات، بل ضحكات، لم يكن هناك منيو، بل ذرة مشوية، أو حمص الشام، وياحبذا إن صادفنا بائع المثلجات في الشتاء، كنا نمشي بحرية بجانب سور البحر القصير كما لو أننا بمنزلنا، كيف لا وهذا أقل حق لنا في موطننا.
لماذا أصبحتِ يا بلادي تبيعين بحرك، هواءك، وحتى شمسك؟
لماذا يجب عليّ أن أدفع ثمناً باهظاً مقابل فنجان قهوة لا مذاق له؟ وزجاجة مياه لا تروي عطشاً؟ كي أرى طبيعة الله التي منحك إياها وميزكِ بها عن سائر البلدان من وراء أسوار تكتم أنفاسي.
لماذا جعلتِ المتعة يا بلادي قصراً على أغنيائك؟ أليس لفقيرك الحق في استنشاق نسمة عليلة تُنسيه أنه يعمل طوال النهار ليعود في النهاية منتكس الرأس إلى أسرته، وفي جيبه بضعة جنيهات لا تكفي لشراء خبز وجبن؟
أخبريني يا بلادي أين يذهب فقيرك؟ لربما هذا الفقير يكون أنا بعد قليل، حينما تنفذ أموالي على طاولات المقاهي لأنني أعشق بحرك ولا يمكنني العيش دون رؤية أمواجه التي لا تكترث بالجدران الزجاجية.
ربما يقف الفقير بكِ اليوم مكتوف الأيدي من وراء الزجاج، ليحاول أن يرى ما اشتاق إليه ويشعر ولو بطيف نسمة تداعب حواسه فيحن قلبه لذكريات لا يمكن أن يطويها النسيان.
ولكنني على يقين بأن البحر لن يظل صامتاً هكذا، حتماً سيأتي يوم ويعلن ثورته فتقضي أمواجه على هذه الأسوار الهزيلة كافة، ليخبر الجميع أن الطبيعة ملك للغني والفقير، لا البحر يُباع ولا النسمات تُشترى، ولا الذكريات تُمحى.
تم نسخ الرابط





