قصة أُرتّق الجرح بابتسامة مزيفة الجزء الثاني

قد تصابون باليأس من شدة الأسى الذي شهده قلبي، لكنها الحقيقة، حقيقة الحياة التي نخبئها، قصة أُرتّق الجرح بابتسامة مزيفة الجزء الثاني.

قصة أُرتّق الجرح بابتسامة مزيفة الجزء الثاني

انقضّ علي كوحشٍ مفترس…. بدأ يضربني حتى ما عرفت أين أصابتني ضرباته، كانت قوية حدّ الشعور بدمائي وهي تسيل من كل جزءٍ مني لم أُدركه.

هذه أنا….. وتلك حياتي، فزتُ به…. وخسرت حياتي!!.

……….

ستارة بيضاء، وضوءٌ أبيض يؤذي عيني، تبدو الرؤية ضبابية للغاية، أحاول عبثاً أن ألتقط شيء واضح….
أسمع تمتمات “يا لبؤس ما تمر به” “الله يعينها”.
ثم صوت أحدهم يقول: نريد أن نحاول ضبط أعصابنا لأن المريضة في حالة انهيار عصبي لا يسعنا أن نزاود عليها أكثر.

ناي: خالتي أم أحمد… أين أنا؟
ـ أنتِ في المستشفى ياصغيرة، يبدو أنك كنت منفعلة للغاية
ناي: طفلي الصغير…. هل هو بخير؟
ـ مممم…. دعينا نتحدث لاحقاً، عليكِ أن تستريحي الآن.

………

من نافذة منزلي، أراقب قطرات الندى على النافذة، أُطلق أنفاسي عليها وأكتب تاريخاً لن أنساه….
لا أُبدي أي رد فعل سوى الكتابة على النافذة حتى انتهت مساحة النافذة كلها.
صوته من الخلف يقول كلمات أكاد لا أسمعها… يتوسل… يتذلل… ثم يتبع القول حجّته المرتبطة دائماً بالقنّب “الحشيش”.

لم أعِر أي اهتمام لهذا الصوت الرخيم المطلي بالحسرة المزيفة.
وهكذا مَضت الأيام بين حسرتي وسعيي المواظب لتغيير حالي بعد أن فقدت كل من يمكن أن ينتشلني من هذا.

بعد مضي شهرين على الحادثة، جاءتني الجارة أم خليل لتخبرني أن هناك عمل في مشغل خياطة، رأيت أن هذا أفضل حل للهروب من واقع منزلي ذي الجدران السوداء أكثرها من سوداوية حياتي.

ووحدتي تلك في غياب الرجل الذي كنت قد أحببت ولم يكن جديراً به، وعلى الأقل أفضل من خواء بطني وصوتها المزعج كل ليلة وأنا أُبلل الخبز علّي أداوي جوعي.

قدماي تمشي بسرعة، وكأنها تترقب أملاً سيفتح أبوابه على مصراعيه أمامها، اندفع بقوة الطيبة التي بداخلي وبراءة طفولتي التي لا زالت تحلم.

في المشغل، رجلٌ أشعث الشعر وأنفٍ مدبب، وجسدٍ نحيل بتجاعيد بارزة على الوجه، تأملني بنظرات استهجنتها وخشيتها قليلاً لكنني لم أعر الأمر الكثير من الاهتمام.

بدأت العمل يوماً بعد يوم… وهو يلتهمني بنظراته ولا يشيح نظره حتى إن نظرت إليه مباشرةً، اقترب ذات مرة مني وهمس بالقرب من أذني.

ـ تعالي إلى مكتبي أريد أن أقدم لك عرض مغري!
فكرت لوهلة، أي العروض تلك التي تُقدم في مشغل خياطة؟
ترقية من خياطة إلى مسؤولة البضائع؟
راتب إضافي وعلاوة!!.

توجهت لمكتبه بعد انتهائي من قطعة فستان مطرز بالخرز الملون… وقابلني بجلسته المتراخية تلك على كرسيّه المتحرك ذي العجلات المدورة الصغيرة.

قالها بثقة: يا ناي، أرى أنكِ فتاة مجتهدة وجميلة ولكن الحياة لم تنصفك، سألت عنك أم خليل وأخبرتني بقصتك
لذا فقد رأيت أنه من واجبي أن أقدم مساعدتي على قدر المستطاع، ولكن كما تعلمين، كل شيء في هذه الحياة له ثمن، وعليكِ أن تضعي هذه الجملة نصب عينيك عندما تشقيّن الحياة عرضها وبرّها وبحرها.

ناي: أشكرك على هذا لكنني لم أفهم حتى الآن شيء!
ـ سأوضح أكثر…. يمكنني إعطاؤك راتب إضافي يعادل راتبك وفوقه علاوة أخرى ولكن في مقابل أن تكونين الحضن الدافئ لي!.

فغرتُ فاهي وأنا أسأله: ماذا تقصد بحضنٍ دافئ؟
ـ أقصد أنني رجلٌ وحيد، أحتاج امرأة تستمع لي، تقف بجانبي بكلماتها المعسولة، تمطرني بحركاتها الأنثوية، تخرجني من جوف الحياة وظلمها الشديد ومرارة العمل!.

ناي: أيها الأحمق المسن، أتعتقد بأن حاجتي تلك تسمح لك بأن تعرض علي مثل هذا الطلب؟
ـ لا تنفعلي…. يمكنك الرد بنعم أو لا، وإن رفضتي سنعتبر أن حديثنا هذا لم يكن!.

إذن…. فإن جوابي بالتأكيد لا..
مشيت من مكتبه وتوجهت سريعاً إلى المشغل وأنا أحاول أن أرتّق دموعي ببعض الصبر… رأيت الحياة تناقشني بصوتها الرخيم لتخبرني أنها كذلك، ليست وردية كما ظننت، أو كما حلمت منذ صغري.

وبعد مضي عدة أيام كنت قد ظننت أنه قدم عرضه كما يقدمه على عامة النساء اللاتي تعمل لديه….. كنت قد توجهت إلى المغسلة حتى أنظف يدي.

لم أنتبه أنه في الغرفة المجاورة….
وبينما أنا منشغلة في وضع الصابون على زوايا أصابعي والفراغات بينهما، وادندن “بقطفلك بس هالمرة… هالمرة بس ع بكرا”.

شعرت بحرارة الأنفاس تلك…. حرارة أشعلت جذوة اشمئزازي ورعبي في آنٍ واحد.
وقبل أن استدير وصلتني قبلة على عنقي أيقظت الوحش المفترس بداخلي…. انقضضت عليه كما لو أن بداخل جسدي الناعم والصغير رجلٌ عريض المنكبين.

ضربته بطرف يدي على رأسه، ثم وجهت قدمي لمنطقة رجولته.. أردت بهذا أن أُشعره بضآلة حجمه ما إن خسر الشيء الذي يعتقد أنه يمنحه حق ولقب الرجولة.

ثم ركضت سريعاً خارج المشغل…. وأنا لا أعلم أين أقدامي تأخذاني..
لم أكن أعلم ولا أريد أن أعلم… كل ما أريده هو البكاء…. فقط البكاء دون أنين.

يتبع…….

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

فريال محمود لولك

الكتابة هي السبيل للنجاة من عالمٍ يسوده الظلام، ننقل بها سيل المعلومات لتوسيع مدارك القارئ المعرفية، أنا فريال محمود لولك، من سوريا، خريجة كلية التربية اختصاص معلم صف، وكاتبة منذ نعومة أظفاري، من وحي المعاناة وجدت في الكتابة خلاصي، ورأيت بها نور الله الآمر بالعلم والمعرفة، فاقرأ باسم ربك الذي خلق. فإن القراءة هي الطهارة لعقلك من كل جهل.
زر الذهاب إلى الأعلى