افتتاح المتحف المصري الكبير من وجهة نظر مختلفة
لا شك أن افتتاح المتحف المصري الكبير كان حدثاً عظيماً أثار ضجة عالمية، لكن خلف الأضواء الصاخبة، هناك دوماً زاوية صامتة، تكشف رؤية مختلفة تماماً.
افتتاح المتحف المصري الكبير
منذ صغري وأنا عاشقة لتاريخ وطني العظيم، ولتلك الحضارة الفرعونية بعبقريتها التي سبقت الأزمان، الأهرامات والمعابد، والنقوش المحفورة على جدرانها، يوماً بعد يوم يزداد عشقي لها، وأترقب كل حدث يتعلق بها.
أتذكر أنني كنت أنتظر بفارغ الصبر مشاهدة موكب نقل المومياوات، وحينما بدأت الاحتفالية، كاد قلبي يخرج من بين أضلعي فخراً بما صنعه المصري القديم، وتكرر هذا الشعور حينما تم الإعلان عن موعد افتتاح المتحف المصري الكبير (Grand Egyptian Museum) عبر القنوات المصرية والعربية.
خاصة بعدما علمت أنه أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة فقط، هي الحضارة المصرية القديمة، ويُعرض بداخله قناع الملك توت عنخ آمون الذهبي ونحو خمسة آلاف قطعة من محتويات مقبرته التي تم اكتشافها في عام 1922م.
إذا بدأت الحديث عن الحضارة المصرية القديمة فلن أستطيع التوقف من فرط شعوري بالفخر بما صنعه أجدادي منذ آلاف السنين، والذي لا يزال يحير علماء الآثار إلى وقتنا هذا، ألا يكفي كل ذلك ليرقص قلبي فرحاً كل يوم لاقتراب موعد الافتتاح؟
القنوات الفضائية تنقل الاستعدادات لحظة بلحظة، وعُلّقت شاشات عرض كبيرة لنقل احتفالية الافتتاح بمختلف الميادين العامة بالمحافظات، كي يتسنى للشعب المصري كله الاستمتاع بمشاهدته.
اليوم الثامن والعشرون من شهر أكتوبر، باقي من الزمن ثلاثة أيام، التاسع والعشرون، الثلاثون، الحادي والثلاثون، متى ينتهي الانتظار وتدق الساعة معلنة بداية اليوم الأول من نوفمبر؟ إنه اليوم الذي أنتظر مجيئه منذ ما يزيد عن شهر.
تجمدت أنفاسي حينما رأيت جملة “Egypt is proud” ظهرت على شاشة هاتفي، كل شيء من حولي يحتفي بهذا الحدث الجلل، لنرى أجواء السعادة والترقب بمواقع التواصل الاجتماعي، كافة الفئات تستعد لمشاهدة الافتتاح، هذا المشهور يعبر عن شدة سعادته، وهذه الإعلامية تشعر بالامتنان لكونها مصرية.
ومن بين عبارات لا عدد لها تدل على أن أُمة بأكملها تترقب في سعادة غامرة، ظهر أمامي منشور أثار جدلاً كتبه الفنان عمرو واكد عبر أحد حساباته الرسمية بمواقع التواصل:
“مش لاقي تاكل؟ مظلوم؟ ومطحون تحت الأرض؟ عايش بلا ربع حرية؟ كرامتك ونخوتك منهارة على خيانة غزة؟ ولا يهمك يا سيدي، المهم إن بقى عندك متحف أخضر، اتصرف فيه أد تمنه تلاتين مرة، عشان كدا انت مش لاقي تاكل، افرح يا عبيط”.
نعم، كان ذلك نصاً هو رأي الفنان فيما يخص الافتتاح بغض النظر عن موقفه تجاه الدولة أو النظام الذي يحكمها، مرت هذه الكلمات أمام عيني دون أن أُعرها اهتماماً وقتها، شعرت كما لو أنه يحاول إطفاء الحماس في قلوبنا بلا سبب واضح، فقلت في قرارة نفسي: “لا تسمحي له أو لغيره بأن يعكر صفوك، ويقتل سعادة قلبك، فما هي إلا ساعات قليلة ويبدأ الاحتفال، استعدي أيتها الفرعونة الصغيرة”.
وها قد حان وقت الاحتفال، بدأت المراسم، الرئيس يستقبل الزوار الوافدين من عدة دول عربية وغربية، أضواء ذهبية في كل مكان، أناشيد دينية، ترانيم قبطية وأغاني نوبية تحكي للعالم أجمع معنى الوحدة الوطنية.
إبداعات لم يشهدها العالم من قبل، بل واحتفلت عدة دول معنا في التوقيت ذاته ترسيخاً لهذه اللحظات التي سيذكرها التاريخ، فنحن أصحاب أعرق حضارة عرفتها الإنسانية، ياللفخر الذي شعرت به حينها، كاد قلبي يصفق كلما رأيت قطعة من القطع الأثرية التي يحتوي عليها المتحف، فقد عُرض جزء منها خلال الافتتاح، أما المتحف بأكمله فيحتاج لوقت طويل لاكتشاف كنوزه.
استمر حفل الافتتاح نحو ساعتين، شعرت كما لو أنها عدة دقائق كنت أعيش فيها بمصر القديمة، خاصة بعدما استعنت بأحد برامج الذكاء الاصطناعي لإعداد صورة لي بالزي الفرعوني، علماً بأن ذلك ما فعله سائر الشعب المصري، بل والعالم بأسره استعداداً للاحتفال.
انتهت الأمسية وتم افتتاح المتحف واستقبل تمثال رمسيس الثاني أحفاده، يا له من مشهد مهيب، يعانق فيه الماضي الحاضر، وددت في هذه اللحظات أن أحتفظ بعدة صور تذكارية تتعلق بالحدث، لذا بدأت في تفقد مواقع التواصل الاجتماعي للانتقاء من بين الكثير من الصور التي تم تداولها بشكل سريع.
تلك صورة للمتحف من الخارج، وأخرى من الداخل، وثالثة لرسمة المركب الشمسي بإضاءة الليزر في السماء، كان افتتاحاً عظيماً احتوى على فقرات ستظل راسخة في عقول كل من رآه لفترة من الزمن مهما كانت وظيفته أو مكانته، حتى وإن كان بائع بلالين!

في حقيقة الأمر، لم أستطع تمرير هذه الصورة كما مررت منشور الفنان من قبل، فبينما كانت تخبرنا كافة الصور عن عظمة الافتتاح كان هناك صغيراً يجلس متعباً أمام إحدى الشاشات المعلقة بمكان عام، يضع بجواره حامل البلالين وأضواء الاحتفالية المبهجة تنعكس في عينيه الصغيرتين.
في هذه اللحظة تردد في ذهني العديد من الأسئلة التي ليس لها جواب: هل هذا الطفل جائع؟ هل هذا العمل يليق به؟ هل يدرس؟ بم كان يفكر بينما يجلس هكذا ويشاهد ما يشاهده غيره من الأطفال وهو على الأريكة في منزله ويتناول من الطعام والشراب ما لذ وطاب؟
لا أنكر أن هذه الصورة جعلت التصريح الذي تجاهلته يظهر أمام عيني، ففيه شيء من الحقيقة اغتال جزء من البهجة التي كنت أشعر بها، لن أقول إن سعادتي اختفت، لكن غيمت سماؤها بغيوم الواقع المرير، ففي هذا العالم هناك من يعيش الحدث ولكن من بعيد، لا يستطيع الاقتراب.
قد لا تكون عيناه الصغيرتان قادرتين على تحمل الأضواء، لكن هذا لا يعني ألا نكترث له كما لو أننا من عالم وهو من عالم آخر، بل يجب أن نعيد حساباتنا وننظر لهذا الحدث بعين سعيدة وأخرى واعية، فعلى الرغم من أن هذا الاحتفال استمتع بمشاهدته عدد كبير من الأشخاص داخل مصر وخارجها، لكن ليسوا سواء.
الفخر لا يزال موجوداً، والسعادة لم تختفي، لكنها امتزجت بقدر من الوعي تجعلنا أكثر انتباهاً للجانب الإنساني، وهو الذي يدفعنا لعيش اللحظة بكل ما تحمله من تفاصيل، لون، صوت، وحتى ألم دفين لا تنطق به الألسن.
أعتقد أن افتتاح المتحف المصري الكبير لم يكن مجرد حدث تاريخي، وإنما كان مرآة تعكس مجد الماضي وألم الحاضر، لعل الأجيال القادمة ترى مصر التي نحلم بها، مصر التي يليق بها كل هذا الجمال.
تم نسخ الرابط





