إعلان - Advertisement

البورصة المصرية أمام مرحلة جديدة – بقلم محمد سعيد الحداد

لم تعد المنافسة على جذب الاستثمار مرتبطة بحجم الأموال المتاحة فقط، بل أصبحت مرتبطة بمدى قدرة الأسواق على توفير بيئة أكثر تنظيمًا وشفافية وكفاءة.

وفي هذا السياق تأتي التحركات الأخيرة للهيئة العامة للرقابة المالية لتعكس اتجاهًا نحو تطوير أدوات القطاع المالي غير المصرفي ورفع قدرته على استيعاب الاستثمارات وتعزيز قدرته على مواجهة المتغيرات الاقتصادية.

وخلال لقاء الدكتور إسلام عزام رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية مع “مارك بومان” نائب رئيس البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية للسياسات والشراكات والوفد المرافق له جرت مناقشة عدد من الملفات المرتبطة بتطوير القطاع المالي غير المصرفي وزيادة جاذبيته للاستثمارات.

وبحسب بيان الهيئة فإن المباحثات تناولت ملفات متعددة من بينها الشورت سيلينج وصانع السوق ورفع كفاءة الملاءة المالية لشركات التأمين إلى جانب تطوير البيئة التنظيمية للبورصة المصرية.

لكن أهمية هذه الملفات لا تتوقف عند المصطلحات الفنية

فكل أداة جديدة في السوق المالية يفترض أن يكون لها هدف واضح يتعلق في النهاية بكفاءة السوق وحماية المتعاملين وخلق بيئة أكثر قدرة على جذب الاستثمار.

ومن أبرز الملفات التي يجري العمل عليها الإطار التنظيمي الجديد لعمليات الشورت سيلينج أو بيع الأوراق المالية المقترضة والذي تستهدف الهيئة من خلاله تنشيط البورصة المصرية وتوسيع وتعميق سوق المال ورفع كفاءة التسعير.

وأشار البيان إلى استمرار متابعة الخطوات النهائية لتدشين نظام الإقراض المركزي والربط التقني الكامل بين شركة مصر للمقاصة وشركات السمسرة تمهيدًا لإطلاق الآلية رسميًا خلال الأسابيع القليلة القادمة.

كما يمثل صانع السوق أحد الملفات التي تحظى بأولوية لدى الهيئة خلال المرحلة المقبلة باعتباره أداة تستهدف تعزيز استقرار التداولات وزيادة السيولة في السوق.

ووفقًا للبيان سيحصل المتعاملون من خلال هذه الآلية على إعفاء من ضريبة الدمغة مع دراسة حوافز أخرى بهدف تنشيط الاستثمارات المؤسسية بالتزامن مع عملية قيد وطرح عدد من الشركات الحكومية الكبرى في البورصة.

وهنا تظهر نقطة مهمة

السوق القوية لا تُبنى بمجرد زيادة عدد الشركات المقيدة.
بل تحتاج إلى سيولة حقيقية وآليات تداول فعالة وثقة لدى المستثمرين وإطار رقابي واضح.

أما قطاع التأمين والتمويل فيحضر أيضًا بقوة في خطة التطوير.

إذ استعرضت الهيئة عددًا من القرارات الرامية إلى تحقيق التوافق مع المعايير الدولية لإدارة المخاطر في قطاعي التأمين والتمويل ومن بينها مبادئ بازل 3 لتعزيز الملاءة المالية للمؤسسات ورفع قدرتها على مواجهة المتغيرات الاقتصادية.

كما تناول اللقاء التعاون لتمهيد تطبيق معايير الملاءة الدولية Solvency II على قطاع التأمين المصري بما يرتبط بتقييم المخاطر وجودة إدارة المخاطر وكفاءة أنظمة الرقابة الداخلية ومستويات الشفافية والإفصاح.

وهذه النقطة تحديدًا تكشف أن تطوير القطاع المالي لا يتعلق فقط بفتح أبواب جديدة للاستثمار.

بل يتعلق أيضًا بقدرة المؤسسات على تحمل المخاطر وإدارة أموال المتعاملين وفق قواعد أكثر صرامة ووضوحًا.

اللافت كذلك أن التعاون مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لم يقتصر على ملف واحد.

بل امتد إلى مناقشة تطوير البيئة التنظيمية للبورصة المصرية في ضوء تدشين سوق المشتقات المالية في مارس الماضي.

إضافة إلى طرح أفكار مرتبطة بتحويل البورصة إلى شركة مساهمة استنادًا إلى خبرات البنك في دعم هذا النوع من التحول في عدد من دول المنطقة.

وفي المقابل أشاد وفد البنك الأوروبي بالجهود التي تبذلها الهيئة لتطوير قدراتها الرقابية والتنظيمية بما يحقق التوازن بين استقرار الشركات والأسواق وحماية حقوق المتعاملين.

وهنا تكمن القضية الأهم

أي إصلاح مالي حقيقي لا يقاس بعدد القرارات التي تصدر.
بل بقدرته على تحويل تلك القرارات إلى سوق أكثر كفاءة وثقة واستقرارًا.

فالاستثمار يبحث عن الفرصة.

لكنه يبحث قبلها عن الأمان والوضوح.

والمستثمر لا يحتاج فقط إلى سوق مفتوحة.

بل يحتاج إلى قواعد يعرفها الجميع وتطبق على الجميع.

ويحتاج إلى مؤسسات رقابية قادرة على التدخل عندما تستدعي الضرورة ذلك.

ويحتاج إلى معلومات واضحة وشفافة تساعده على اتخاذ قراره على أساس المعرفة لا التخمين.

ومن هنا فإن التعاون بين الهيئة العامة للرقابة المالية والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يمكن أن يمثل إضافة مهمة لمسار تطوير القطاع المالي غير المصرفي في مصر.

لكن الاختبار الحقيقي سيظل دائمًا في التنفيذ والنتائج.

فالسوق لا تتطور بالتصريحات وحدها.

والاستثمار لا يأتي بالشعارات.

والثقة لا تُطلب من المستثمر.

الثقة تُبنى أمامه يومًا بعد يوم عندما يرى قانونًا واضحًا ورقابة فعالة وسوقًا أكثر عدالة وشفافية.

وفي النهاية

قد تبدو المصطلحات التي وردت في البيان بعيدة عن المواطن العادي.

لكن تأثيرها المحتمل يمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والشركات وسوق المال والقدرة على توفير بيئة أكثر جاذبية للنمو.

فالقرار المالي قد يبدأ داخل غرفة اجتماع.
لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما يتحول من نص على الورق إلى أثر يمكن قياسه في السوق والاقتصاد.

وهنا فقط يصبح الإصلاح المالي إنجازًا حقيقيًا لا مجرد عنوان جديد.

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

محمد سعيد الحداد

محمد سعيد الحداد كاتب رأي وتحليل اجتماعي وإعلامي يهتم بالقضايا المجتمعية والظواهر الإنسانية والأداء الإعلامي والإداري ويعمل على تقديم محتوى هادف يجمع بين الرؤية النقدية والطرح المهني. يؤمن بأن الكتابة ليست مجرد نقل للمعلومة بل مسؤولية تجاه القارئ ودور في صناعة الوعي.