إعلان - Advertisement

البيت الذي يتذكّرك أكثر مما تتذكّره بقلم: نور الهدى خليل

هناك بيوتٌ لا تسكنها أنت، بل تسكنك هي.

تدخلها للمرة الأولى، فتشعر بشيء غريب لا تستطيع تفسيره.
رائحة مألوفة رغم أنك لم تشمّها من قبل.
زاوية في الممر تشعر أنك رأيتها في حلم قديم.
نافذة تعرف، بطريقة ما، أنها ستُفتح قبل أن تقترب منها.

تضحك على إحساسك.

وتقول لنفسك:

  • «مجرد خيال».

لكن البيت لا يضحك.

في إحدى القرى البعيدة، كان هناك منزل قديم بقي مغلقًا لسنوات طويلة. لم يكن مهجورًا تمامًا؛ كان أهل القرية يقولون إن صاحبه تركه فجأة، دون أن يأخذ ملابسه أو كتبه أو حتى الساعة المعلقة على الحائط.

الغريب أن الساعة توقفت عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة.

وبقيت كذلك.

سنوات.

ثم جاء رجل واشترى المنزل.

في الليلة الأولى، لم يحدث شيء.

في الثانية، سمع صوت خطوات في الطابق العلوي.

وفي الثالثة، استيقظ عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة بالضبط.

لم يكن خائفًا.

إلى أن رأى شيئًا على الحائط.

كانت هناك صورة قديمة لمجموعة من الأشخاص أمام المنزل.

نظر إليها طويلًا.

ثم اقترب.

كان هناك رجل يقف في آخر الصف.

رجل يشبهه تمامًا.

نفس الوجه.

نفس العينين.

حتى الجرح الصغير فوق حاجبه كان موجودًا.

لكن الصورة كانت قديمة جدًا.

أقدم من عمره.

في صباح اليوم التالي، سأل أهل القرية عن الصورة.

لم يجبه أحد.

فقط امرأة عجوز قالت له:

  • «أنت لم تشترِ البيت».

سألها:

  • «ماذا تقصدين؟»

نظرت إلى المنزل وقالت:

  • «البيت هو الذي اختارك».

ضحك.

لكنها لم تضحك.

ثم أضافت:

  • «كل شخص يدخل ذلك البيت يترك شيئًا منه خلفه».
  • «ماذا يعني هذا؟»

قالت:

  • «في البداية يترك نومه».
  • «ثم ذاكرته».
  • «ثم صوته».
  • «وفي النهاية… يترك نفسه».

عاد الرجل إلى المنزل.

كان يريد الرحيل.

جمع أغراضه، فتح الباب، ومد يده نحو المقبض.

لكنه توقف.

كان هناك صوت يأتي من الطابق العلوي.

صوت شخص يناديه باسمه.

بصوته هو.

صعد ببطء.

وجد غرفة لم يرها من قبل.

فتح الباب.

كانت الغرفة فارغة إلا من مرآة كبيرة.

اقترب منها.

رأى انعكاسه.

ثم حدث شيء لم يستطع تفسيره.

انعكاسه لم يتحرك عندما تحرك هو.

بقي واقفًا.

ينظر إليه.

ابتعد الرجل خطوة.

الانعكاس ابتسم.

ثم قال:

  • «أخيرًا عدت».

تجمّد الرجل.

  • «عدت من أين؟»

أجاب الانعكاس:

  • «من هنا».

ثم أشار إلى خلفه.

استدار الرجل.

لم يكن هناك أحد.

عاد بنظره إلى المرآة.

لكن انعكاسه اختفى.

وحلّ مكانه شيء آخر.

كان المنزل نفسه.

إلا أن الصورة على الحائط أصبحت مختلفة.

لم يعد الرجل يقف بين الأشخاص.

كان واقفًا وحده.

أمام المنزل.

وخلفه…

كانت عشرات الوجوه تنظر من النوافذ.

وجوه أشخاص لم يعرفهم.

ثم لاحظ شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقه.

كان هناك شخص يقف خلفه في الصورة.

قريبًا جدًا.

وجهه ملاصق تقريبًا لوجهه.

كان يشبهه.

لكن أكبر سنًا.

بكثير.

رفع الرجل يده ببطء.

والشخص في الصورة رفع يده أيضًا.

ثم ابتسم.

وفي تلك اللحظة، فهم الرجل الحقيقة التي حاول البيت إخفاءها.

لم يكن هو أول شخص يدخل المنزل.

ولم يكن حتى أول شخص يشبهه.

كان فقط…

آخر واحد.

في صباح اليوم التالي، وجد أهل القرية باب المنزل مفتوحًا.

دخلوا.

  • لم يجدوا الرجل.
  • لم يجدوا ملابسه.
  • لم يجدوا حقيبته.
  • لم يجدوا أي أثر له.

فقط وجدوا شيئًا واحدًا جديدًا على الجدار.

صورة.

صورة حديثة.

للمنزل.

وفي نافذة الطابق العلوي، كان الرجل واقفًا وينظر إلى الخارج.

لكن خلفه…

كانت هناك وجوه كثيرة.

وجوه الرجال والنساء الذين دخلوا المنزل قبله.

وكان بينهم وجه واحد فقط لم يكن في الصور القديمة.

وجه الرجل الذي التقط الصورة.

ومنذ ذلك اليوم، يقول أهل القرية شيئًا واحدًا لمن يسأل عن المنزل:

لا تدخل.

ليس لأن هناك شبحًا في الداخل.

بل لأنك إذا دخلت…

قد تكتشف أن البيت كان يعرف اسمك قبل أن تعرف أنت طريقه.

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

نور الهدى خليل

كاتبة شغوفة بالكلمة والأفكار التي تلامس الإنسان من الداخل. أكتب بأسلوب بسيط وعميق، وأهتم بالمواضيع النفسية والاجتماعية وتفاصيل الحياة التي نعيشها ولا نجد دائمًا الكلمات المناسبة للتعبير عنها. أؤمن أن المقال الجيد لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يترك سؤالًا أو شعورًا يبقى مع القارئ بعد انتهائه.