الدين الذي نبحث عنه… أم الدين الذي يبحث عنا؟
ماذا لو كان أغرب شيء في علاقتنا بالدين… أننا نبحث عنه فقط عندما نضيع؟
نفتح كتابًا حين تضيق بنا الحياة، نرفع أيدينا إلى السماء حين نعجز عن تغيير الأرض، ونبحث عن إجابة عندما تصبح الأسئلة أكبر من قدرتنا على الاحتمال.
لكن ماذا لو كان الدين موجودًا قبل السؤال؟
ربما لم يكن الدين يومًا مجرد مجموعة من الكلمات التي نحفظها، أو طقوسًا نؤديها أمام الآخرين، أو صورة نحاول أن نظهر بها أمام المجتمع.
ربما كان الدين تلك اللحظة الصغيرة التي تحدث بينك وبين نفسك، عندما تكون وحيدًا تمامًا، ولا يوجد أحد تستطيع أن تكذب عليه.
هناك، في تلك اللحظة، ماذا يبقى منك؟
- لا صورتك أمام الناس.
- لا اسمك.
- لا أموالك.
- لا عدد الذين يعرفونك.
- ولا الأشياء التي قضيت عمرك تحاول امتلاكها.
يبقى سؤال واحد فقط:
- ماذا فعلت عندما كان بإمكانك أن تؤذي ولم تفعل؟
ربما أغرب اختبار للإيمان ليس في الأماكن المزدحمة، ولا في الكلمات الكبيرة، ولا في المظاهر التي يراها الجميع.
ربما الاختبار الحقيقي يحدث في الخفاء.
عندما تستطيع أن تكذب ولا أحد سيكتشفك.
عندما تستطيع أن تأخذ شيئًا ليس لك.
عندما تستطيع أن تنتقم، لكنك تختار أن تترك الأمر.
عندما تجد شخصًا ضعيفًا ولا يوجد أحد ينظر إليك… فتقرر أن تكون رحيمًا.
في تلك اللحظات، يصبح الدين شيئًا غريبًا جدًا.
لأنه لم يعد شيئًا تفعله أمام الناس.
بل شيئًا تفعله عندما لا يوجد جمهور.
وقد يكون الإنسان قادرًا على خداع العالم كله، لكنه يقضي عمره عاجزًا عن الهروب من ذلك الشخص الذي يراه كل صباح في المرآة.
لهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
- “هل أنا متدين”؟
بل:
- “ماذا صنع الدين بي”؟
- هل جعلني أكثر رحمة؟
- أكثر صدقًا؟
- أكثر تواضعًا؟
- أقل ظلمًا؟
- أم جعلني فقط أكثر قدرة على الحكم على الآخرين؟
وهنا تبدأ المفارقة.
قد تجد إنسانًا قليل الكلام عن الإيمان، لكنه يحمل قلبًا لا يؤذي أحدًا.
وقد تجد إنسانًا يتحدث عن الدين طوال اليوم، لكنه لا يستطيع أن يسامح شخصًا واحدًا.
فأين يسكن الدين إذًا؟
في اللسان؟
أم في القلب؟
أم في السلوك الذي لا يراه أحد؟
ربما نحن لا نحتاج دائمًا إلى البحث عن علامات الدين في الآخرين.
ربما علينا أن نبحث عنها في أنفسنا.
لأن أغرب مكان يمكن أن تجد فيه الدين…
ليس المسجد، ولا الكنيسة، ولا الكتاب.
بل اللحظة التي تختار فيها أن تكون إنسانًا صالحًا، بينما كان بإمكانك أن تكون عكس ذلك تمامًا.





