الرسالة التي وصلت بعد الساعة 12
في عالم ممتلئ بالإشعارات والاتصالات السريعة، تبقى الرسالة التي وصلت بعد الساعة 12 مختلفة هي رسالة تحمل توقيتاً مختلفاً، وكلمات غير متوقعة، ومشاعر غالباً ما نخفيها.
الرسالة التي وصلت بعد الساعة 12
كانت الساعة 12:03 بعد منتصف الليل، والمدينة غارقة في صمت يشبه التوقف، هواء الليل بارد، الرياح تضرب زجاج النافذة كأنها تحاول الدخول، والبيت الذي كان نهاراً دافئاً ومألوفاً صار في الظلام غريباً متبدّلاً، وكأنه يراقب كل خطوة، وكل نفس.
كانت وحدها، ضوء خافت في الصالة، وهاتفها على الطاولة، كل صوت صغير كان يكبر في عقلها، وكل ظل يتحرك على الجدار كان يأخذ شكلاً لم يوجد من قبل.
وفجأة اهتز الهاتف، نظرت إلى الشاشة متوقعة إشعاراً مملّاً، لكن الاسم الذي ظهر عليها جعل الدم يتوقف في عروقها، الاسم مألوف جداً… لكنه مفقود منذ ثلاثة أشهر، شخص اختفى بلا أثر، والشرطة أغلقت ملفه باعتباره ميتاً على الأرجح.
ظهرت الرسالة: لا تفتحي الباب… أي شيء صار، مو منّو.
ارتجفت، لم تستوعب، لماذا الآن؟ ولماذا هذه الرسالة؟
قبل أن تفكر، سمعت طرقاً خفيفاً على الباب طرق متواصل منتظم وكأن أحدهم يعرف أنها تقف على الطرف الثاني، اقتربت بحذر كل خطوة نحو الباب كانت أبطأ، أثقل، وكأن الأرض تحاول إيقافها.
قبل أن تصل، جاءت رسالة ثانية: إذا سمعتي صوتك لا تردي.
وقفت في مكانها، ارتجف ظهرها، من هي التي قد تناديها بصوتها؟ ومن الذي يكتب هذه الرسائل من هاتف شخص يُفترض أنه ميت؟
اللمبة الخافتة بدأت تومض،
تضوي وتنطفي، وبين الظلمة والضوء، كان هناك ظل يشبهها يتحرك على الجدار، لكن في زاوية مختلفة عن مكانها، كانت تراقبه وهو لا يتحرك إلا عندما لا تنظر، ظل يشبهها لكن فيه شيء غير طبيعي.
ثم رأت من أسفل الباب عيناً واحدة سوداء تحدّق بها من الخارج، لا ترمش، ولم تعود للخلف، فقط بقيت تراقب.
سقط الهاتف من يدها، فتح نفسه تلقائياً، وظهرت رسالة جديدة: كل اللي شفتيه كان جوا راسك بس اللي جاي جوا البيت.
تراجعت، والصوت الذي كان خلف الباب أصبح الآن داخل البيت.
خطوة ثم أخرى صوت قادم من غرفة نومها وعندما دخلت الغرفة وجدتها فارغة.
لكن الإحساس كان واضحاً: هي لم تعد وحدها.
الساعة 1:15 البيت يتغيّر،
بدأت الأشياء تتحرك بطريقة غير مفهومة، الجدران تنقص، الممر يبدو أطول، والبيت كله كأنه يتنفس، الهاتف اهتز في جيبها برسالة جديدة:
أنتِ لاحظتي أول ظل… هلق رح تشوفي الباقي، ثم خطوات أخرى خفيفة وسريعة تأتي من المطبخ،
انعكاسها في المرآة لم يكن ثابتاً، كان يتحرك باستقلال، يبتسم ابتسامة ملتوية لا تمتّ لها بأي صلة.
حاولت الصراخ، لكن صوتها انحبس كأن أحداً يخنق حنجرتها من الداخل، على الجدار بدأت تظهر كتابة بخط خفيف: الخطأ مو باللي شفتيه الخطأ باللي صدّقتيه،
الهاتف رن، رسالة صوتية: كل شي فكرتيه وهم هو الحقيقة،
وكل شي شفتيه حقيقة هو مجرد بداية.
عقلها بدأ يدور، المرايا تلتوي الأرض تتحرك وأصبحت ترى انعكاساً آخر لها منفصل عنها يتنفس ويقترب، الساعة 2:03 ظهر ضوء على الجدار، يرسم هيئة شخص يقف بجمود وابتسامة باردة،
اقتربت فشعرت بانقباض في صدرها، كانت تعرف هذا الشكل، هذا ليس غريباً هذا هي، ليس هي الحقيقية، بل نسختها المظلمة، الجانب الذي خبأته لسنوات الجزء الذي تجاهلته، كبته، وحاولت الهروب منه، الهاتف رن برسالة صوتية آخرى واضحة، بصوت يشبه صوتها: أنا جزء منك كل ظل شفتيه كان أنا، كل خطوة سمعتيها كانت خطواتك المكبوتة، أنا غضبك… خوفك… ندمك… وجزءك اللي حبستيه زمان.
البيت ما تغيّر أنتِ اللي تغيّر وعيك، وهلق صرتِ تشوفي الحقيقة.
الانعكاس في المرآة رفع حاجبه بسخرية، اقترب منها خطوة وحرك شفتيه بصوت منخفض: كنتِ مفكرة أنو في شي عم يلاحقك بس الحقيقة إني أنا اللي عم طالبك ترجعي إليّ.
اهتز الهاتف برسالة قصيرة: اختاري: تتقبّلي الظل أو يسيطر عليكِ للأبد، الوقت عم يخلص.
لم تعد تعرف ما إذا كان هذا كائناً خارجياً أم جزءاً من عقلها تحرر أخيراً من القفل.
اقتربت من المرآة، انعكاسها لم يحاول تقليدها، بل كان واقفاً ينتظر، ثم اختفى، اختفت المرايا، اختفى الظل، اختفت الرسائل،
لكن الشعور لم يختفِ، شعور ثقيل حقيقي أن شخصاً ما، ما زال خلفها يتنفس، وعندما هدأ كل شيء، حاولت التقاط أنفاسها، لكن شيئاً ما لفت نظرها الهاتف، الذي كانت تتلقى منه الرسائل، عرض إشعاراً جديداً، ليس رسالة،
بل تسجيل صوتي قديم مؤرّخ من قبل ثلاثة أشهر،
فتحت التسجيل، ظهر صوت الشخص المفقود، الشخص الذي ظنّوا أنه مات.
لكن الصوت كان ضعيفاً متعباً، وكأنه يسجل الرسالة الأخيرة قبل اختفائه: إذا وصلتِ لهون يعني صار فيك اللي صار فيني، الشي اللي كنت شوفو كل ليلة النسخة اللي بتطلع مني مو كائن، مو جني، مو شي خارجي، هو أنا
نسختي السودا، اللي عاشت بقلبي سنين لحتى طلعت للسطح وإذا ما واجهتيها رح تاخدك متل ما أخدتني.
الصمت…
ثم صوت تنفّس ثقيل في التسجيل وإذا شفتي حالك تمشي وهي نايمة أو سمعتي صوتك يحكي لحالو اعرفي إنها أخدت أول خطوة للسيطرة.
انتهى التسجيل بانقطاع حاد…
وبعد ثانية واحدة فقط…
وصلتها رسالة جديدة على الهاتف من الرقم نفسه: دورك هلق الظل اختارك.
فجأة اتجمّدت أنفاسها، وكأن الهواء نفسو نسي يدخل صدرها، انعكس ظل طويل، حاد الحواف، على الجدار المقابل ما كان ظلّها كان أكبر، أغمق، وأقرب من أي خيال ممكن يمرّ بعقل إنسان، ظلّ شخص واقف مباشرة خلفها ما تحرك، ما تنفّس، بس كان موجود، ساكن بطريقة مرعبة كأنّو متل قطعة من الليل انفصلت عن العتمة وقررت توقف معها بالبيت.
إيدها ارتجفت نظرت قدامها أول شي، بعدين رفعت راسها شوي شوي للمراية ما كانت لحالها، وجهها انعكس بوضوح، بس وراءها ظهرت نسختها المظلمة، واقفة بثبات، وعتمة عيونها كانت عميقة لدرجة ما بتشبه عيون البشر. الشعر نفسه، الملامح نفسها بس الروح؟ مختلفة تماماً، كأنها شيء تولّد من كل مخاوفها اللي كبتتها سنين طويلة.
ابتسمت النسخة المظلمة، ابتسامة باردة ما فيها أي حياة، وقالت بصوت منخفض بس واثق: هلق فينا نبلّش.
وقّفت قلبها للحظة ما عاد في مكان تهرب منه البيت اللي كان دايماً ملجأ أمان صار فجأة متل متاهة مظلمة الأصوات الصغيرة تكبّرت طقطقة الخشب، صفير الريح، حتى صوت دقات قلبها صار يرن بأذنيها.
حاولت تتحرك، تمسك شي، تعمل أي حركة تثبت لنفسها أنو هذا مجرد وهم بس النسخة المظلمة سبقتها خطوة واحدة لقدّام، كانت كافية لتمدّد الظل على الأرض كأنو عم يبتلع المكان. شعرت بشيء بارد يمرّ جنب كتفها، مو لمس حضور
همست النسخة: سنين وأنا محبوسة… هلا أجى وقتي.
برّقت عيون البطلة، صوتها ما طلع كلمات النسخة كانت متل سكاكين عم تقطّع طبقات وعيها، صارت تتذكّر كل ليلة بكيت فيها، كل خوف خبّته، كل صراع داخلي حاولت تتجاهله،
ومع كل ذكرى، كان ظل النسخة يصير أثقل وأوضح وأقرب.
المفاجأة المرعبة؟
الظل ما كان عم يتحرك وحده هي كانت عم تحسّ فيه، تشعر فيه، وكأنو جزء من جسدها، لحظتها فهمت الحقيقة اللي كانت تهرب منها من البداية: هذا الشي ما طلع من العدم طلع منها هي، صار خطواته تتزامن مع دقات قلبها، كأنو نسخة ثانية من حياتها عم تولد خلفها، قربت النسخة لدرجة سمعت نفسها أو جزء جديد من نفسها يقول: انتهى وقت الهروب أنا مو وهم وأنا مو داخل راسك بس أنا هلق صرت داخل بيتك.
انطفأت آخر لمبة بالصالة وبهي اللحظة، صارت القصة إلها نهايتين: واحدة انتهت
وواحدة بدأت، والمخيف؟ أنو البداية الجديدة ما فيها بطلة وحدة فيها نسختين…
تم نسخ الرابط





