إعلان - Advertisement

الشوقُ الذي لا يُكتَب ولا يُروى ولا يُحتمل ولا يُنسى

في زوايا القلبِ الصامتة، يولدُ الشوقُ الذي لا يُكتَب، ذاك الشعورُ العميقُ الذي لا يجدُ مأواهُ في الكلام، ولا يجرؤُ على الظهورِ بين سطورِ الحروف.

الشوقُ الذي لا يُكتَب – لأنّ الورقَ لا يتحمّلُ هذا الحنين

ثمّة نوعٌ من الشوقِ لا يُقال، لا يُروى، ولا يُترجَمُ إلى كلماتٍ تُكتَبُ أو تُنطَق، شوقٌ ساكنٌ في الجوفِ، لا ضجيجَ لهُ، لكنه يأكلُ الروحَ بهدوء.
هو ذاك الحنينُ الخفيُّ لشخصٍ لا يمكنُ أن يُقالَ عنهُ شيء، لا باللسانِ، ولا حتى عبرَ حبرٍ على ورق.

ليسَ شوقاً لشخصٍ رحلَ فحسب، بل لشخصٍ لا يحقُّ لي أن أشتاقَ له، لا يُفترضُ أن يكونَ في فكري، ولا أن يسكنَ داخلي، ومع ذلك… يسكنني، كأنّه وُلدَ في داخلي لا في الخارج، كأنّه جزءٌ من تكويني، لا من حياتي.

كلّما أردتُ أن أكتبهُ، شعرتُ أنّ الحروفَ تخونني، وأنّ اللغةَ تصغرُ عن هذا الشعور، ليس لأنّه أكبرُ منها، بل لأنّه أصدقُ من أن يُفضَح.
لأنّ الاعترافَ بهِ يعني أنّني على وشكِ التورّطِ في خيانةِ الصمت، والبَوحُ بهِ خيانةٌ لاتّفاقٍ لم يُوقَّع، لكنه واضحٌ بيني وبين هذا الحنين.

أراهُ في وجوهٍ عابرةٍ لا تشبههُ، لكنّها تذكّرني بهِ.
أسمعهُ في ضحكةٍ غريبةٍ، في مقطعِ موسيقى لا علاقةَ لهُ بهِ، في رائحةِ قهوةٍ وقتَ المساءِ… تفاصيلُ لا يجمعُها منطق، لكنها تُشعلُ ناراً لا تخبو.

ولأنّ هذا الشوقَ لا يبدّلُ شيئاً، فلا خيارَ لي إلا أن أعيشهُ بصمتٍ، أن أدفنهُ داخلي بحذرٍ بالغ، أن أسمحَ لهُ أن ينمو دونَ أن يعلو، أن يبقى داخلي وحدي، لا أُودعهُ في نص، ولا أُلمّحُ بهِ في حديث.
فبعضُ الشوقِ لا يُكتب، ليس لأنّ الكتابةَ تعجزُ، بل لأنّها في حضرته انكشافٌ غير مُجْدٍ، وانكشافُ ما لا جدوى من كشفهِ.

لهذا، أشتاقُ بصمتٍ، كأنّني لا أشتاق.
أبتسمُ لهُ في الخيال، كأنّه لا يهمّ.
أتظاهرُ بالنسيانِ، فيما كلُّ شيءٍ يذكّرني.

وهكذا، يبقى هذا الشوقُ ساكناً… خفياً… نقياً من كلّ اعتراف.
ذاك هو الشوقُ الذي لا يُكتب، لأنّه لو كُتب، لانكشفتْ كلُّ الحكاية، وانهارَ ما بقي منّي.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement