قصة بعنوان “الصداقة لا تُقاس بالمسافات”
يقال إن الصداقة لا تُقاس بالمسافات ولا بعدد السنوات، وأنا كنتُ من الأشخاص المحظوظين بالصداقة.
قصة الصداقة لا تُقاس بالمسافات
بعد قبولي بالانتساب إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة اللاذقية، كانت تلك المرحلة بالنسبة لي أشبه ببابٍ يُفتح على عالمٍ جديد، مملوء بالفضول والتحدي، كنتُ الصبية الوحيدة في القرية التي ستدرس في “عروس البحر”، وكان لهذا الاسم وقعٌ خاص في قلبي، أحسست أني ذاهبة لأعيش فصلاً مختلفاً من حياتي، كنت أتأمل الطريق كل صباح بخيالي، أرسم ملامح المدينة التي لم أرَها بعد، أشعر بفرحٍ غريب ممزوج بالخوف، كمن يقف على عتبة المجهول.
في تلك الأيام كنت أقضي معظم وقتي على مواقع التواصل أبحث عن أي فتاة تدرس في نفس الكلية، فقط لأشعر أن هناك من يشبهني في هذه الرحلة، وذات مساء، قررت أن أكتب منشوراً وأبحث عن صديقة ستدرس نفس الاختصاص، وحقاً صادفتُ فتاة مختصة بنفس المجال، كان اسمها “نتالي”.
لا أعرف لماذا شعرت بالراحة بمجرد أن قرأت اسمها، كأن شيئاً داخلي همس لي بأنها ستكون مختلفة، أرسلتُ لها طلب الإضافة، وبعد دقائق قليلة وصلني القبول، لتبدأ أولى رسائلنا بلطيف، ثم امتدت الأحاديث عن الجامعة والمحاضرات والمواد، وعن القلق المشترك من البداية الجديدة، لم تمضِ ساعات حتى قررنا أن نلتقي ونتوجه إلى الكلية سويةً، كأن القدر استعجل لقاءنا.
وفي صباح يوم الأحد، الموافق لـ 12/11/2019، كان الجوّ بارداً لكنه مشرق، شمس تشرين الخجولة تتسلل بين الغيوم، والهواء يحمل رائحة البحر الممتزجة بنسيمٍ خفيف، كنتُ أرتب حقيبتي بحماس، أنظر إلى ساعتي كل دقيقة، أتحسس تفاصيل اليوم الأول وكأنني أنتظر موعداً مع الحياة نفسها.
وعند بوابة سكني، لمحتُها قادمة بخطواتٍ واثقة رغم خجلها، فتاةٌ حنطية بملامح بريئة ناعمة وطفولية، تزين عينيها نظارة طبية مدوّرة، شعرها الأسود منسدلٌ على كتفيها برقة، كان في حضورها سكونٌ جميل، يشبه لحظة غروبٍ دافئة، شعرت أنها تشبهني كثيراً، كأننا انعكاس لبعضنا، نتقاسم ذات الطول، وذات الملامح، وحتى ذات البساطة والعفوية.
لكننا كنا نختلف في التفاصيل الصغيرة التي تكملنا، فهي هادئة إلى حدٍّ يُطمئن القلب، وأنا فوضوية إلى حدٍّ يُربكها أحياناً، وهي رزينة قليلة الكلام، وأنا كثيرة التعبير والضحك، لم تكن اجتماعية، كنتُ أنا صديقتها الوحيدة، لكنها كانت تملأ الصداقة حضوراً وصدقاً يكفي عن الجميع.
كانت نتالي هي الدليل الذي يجعلني أسير في أروقة الكلية بثقة.
في الأيام الأولى كنت أشعر بالضياع وسط الزحام الكبير، لكن وجودها كان بمثابة خريطة تمشي إلى جانبي، وهي من أخذت بيدي أول مرة إلى هناك، ما زلتُ أذكر كيف كانت تتحدث وتشير بابتسامتها عن مواضيع الدراسة كانت تلك اللحظات البسيطة تحمل في داخلها طمأنينة عميقة.
كنا في نفس السنة الجامعية، وكان من الطبيعي أن نلتقي في أغلب المحاضرات، لكن ما لم يكن عاديًّا هو ما نشأ بيننا من انسجامٍ فطري، بدأت علاقتنا بخفة كنسمةٍ صيفية، دون تخطيط أو وعي، لقاءاتٌ بسيطة وضحكات قصيرة، ولم أعلم متى تحوّلت تلك اللحظات العادية إلى صداقةٍ عميقة تسكن القلب، فجأة وجدتني أفتقدها حين تغيب، وأشعر براحة حين تكون قربي، كانت جزءاً من حياتي، من طقوسي الجامعية الصغيرة.
قدمت لي الكثير من المعلومات الدراسية، كانت ذاكرتها قوية، وصبرها لا يُضاهى، تشرح لي ما لم أفهمه بهدوءٍ محب، وكأنها تعتبر نجاحي امتداداً لنجاحها، لم تكن مجرد زميلة تذاكر معي، بل كانت السند الخفيّ الذي يوازن طاقتي حين أتعب، تهتم بتفاصيلي الصغيرة، تسأل إن كنتُ بخير، وإن كنتُ مرتاحة نفسياً.
وبعد كل امتحان، كنّا نمشي سويةً إلى المنزل، طريقنا الطويل كان يتحوّل إلى مسرحٍ للضحك والأحاديث التي لا تنتهي، كنّا نحكي عن أحلامنا، عن الخوف من المستقبل، عن كل شيء، تلك اللحظات كنت أشعر أن العالم بسيط، وأن وجودها يجعل كل تعبٍ يهون.
قضينا الكثير من الأوقات الجميلة، ومرت السنة الأولى ثم الثانية فالثالثة، وعلاقتنا تزداد متانة مع كل يوم، كنت أراها دائماً أول من يصفّق لي عند أي إنجاز، مهما كان صغيراً، كانت داعمتي، ومرآتي التي تعكس أجمل ما فيّ، إلى الآن أرى فيها نصف روحي الثاني، ومكمّلتي التي تفهمني دون أن أتكلم.
رغم أنها تقطن في مدينة آخرى بعيدة عن مدينتي، إلا أن المسافة لم تمنعها من الشعور بي، كانت تشعر بتعبي وكأن بيننا خيطاً خفيّاً يربط نبضينا، في لحظات حزني، كانت المواساة لقلبي، تنصت إليّ بصدقٍ نادر، وتقدّم لي كل ما تملك من دفء وحنان.
وفي السنة الرابعة، حين افترق درب دراستنا، لم تتغير العلاقة كما يخاف البعض حين تفرقهم الظروف بقينا كما نحن، قريبتين رغم البعد، قلوبنا على اتصالٍ دائم،أيامنا وذكرياتنا لا يمكن وصفها بكلمات، لأنها ببساطة ليست مجرّد ذكريات، بل فصولٌ من حياةٍ سكنت عمق القلب ولن تغادره أبداً.
مرت أيامٌ وشهور طويلة، وكلُّ ما حولنا تغيّر، إلا أن صداقتنا ظلّت كما هي، ثابتة كنبضٍ في القلب لا يخفت، لم أستطع أن ألتقي بها بسبب الظروف السيئة التي مرّت بها البلاد، تلك الأيام كانت قاسية على الجميع، المسافات ازدادت، والطرقات أصبحت بعيدة أكثر مما هي عليه، لكن رغم كل ذلك، لم تنقطع بيننا الرسائل ولا الدعوات الصامتة في القلب، كنت أفتقد وجودها بجانبي في تفاصيل يومي، في الضحكات التي كانت تُنقذني من تعب الأيام، ومع ذلك كنت أشعر بها قريبة، قريبة إلى الحد الذي يجعلني أسمع صوتها في ذهني حين أحتاج إلى الطمأنينة.
الآن، أنا سعيدة لأنها تعيش قصة حبٍ جميلة تستحقها بكل ما فيها من صدقٍ ونقاء، كانت دوماً تؤمن بالحب الحقيقي، بالقلوب التي تلتقي دون مصالح، وبأن من يُحبّ بحق هو من يزرع الفرح في قلب من يحبّه، وها هي اليوم تحصد ما كانت تؤمن به، أراها سعيدة، ويكفيني أن أراها كذلك، فابتسامتها تكفيني عن ألف لقاء.
هي تعلم مدى حبي لها، وتدرك أن مكانتها في قلبي لا يُمكن أن يقترب منها أحد، هي ليست مجرّد صديقة مرّت في حياتي، بل كنزي الثمين الذي وجدته صدفةً وبقي معي للأبد، وجودها جعل لحياتي لوناً مختلفاً، وترك في أيامي أثراً لا يُمحى.
مهما تغيّرت الظروف، ومهما تباعدت الطرق، ستبقى نتالي صديقتي الأبدية، الجزء الجميل الذي لا يتبدّل في فصول عمري، والروح التي تشبهني حدّ التطابق، والتي سأظل ممتنّة لها ما حييت.
تم نسخ الرابط





