إعلان - Advertisement

قصة العشاء الأول بعد وفاة أمي

الليلة الأولى بعد وفاة عزيز، يُمكن لها أن تُدمر كل ما تبقى بداخلك من قوة، وتمحي بهذا جبروتك الذي ظننت، لن أنسى تلك الليلة، إنها ليلة العشاء الأول بعد وفاة أمي.

قصة العشاء الأول بعد وفاة أمي ـ العشاء الأول دون نكهة

صوتٌ متحشرجٌ صدحَ بصعوبةٍ، ينادينا للاجتماع حول مائدة العشاء.
نظرت في عيني أخي، لأرى ما إن كانتا تحملان ذات التساؤل!
الخيبة… الغصة… والدمعة!.

مشينا بخطى غير متوازنة، نجرُّ أجسادنا المتهالكة كَمن يجرّ حصاناً يأبى إتمام المنافسة… يبحث عن السلام فقط، عن الراحة والهدوء.

نهبطُ درجات السلالم بتروٍ، وفي عيني شقّت دمعة طريقها على خدّي، فمسحتها سريعاً حتى لا تفضح ما يختلج قلبي…
تهدلت روحي فسبقتني بالخطواتِ، تمالكت نفسي حتى وطأت قدمي غرفة الطعام، والتي تقع حذاء الصالة… تلك الصالة يتوسطها صورة بإطارٍ ذهبي وقماشة سوداء تتدلى على أطراف إطاره.

خفضت نظري أحاول أن أتهرب من رؤيتها، جلسنا حول المائدة كتماثيل من ملح، لا يتحرك منا سوى الأنفاس الحائرة، وفوقنا يثير الضوء الأصفر الخافت من المصباح الأسطواني… الحزن أكثر.

وجهّت نظري حول زوايا الغرفة…
وخاصةً لتلك المزهرية المملوءة بالزهور الفواحة والحبق ذي الرائحة الذكية، والتي يمتزج عبقها مع رائحة خشب الصنوبر الخاص بطاولة الطعام، فيعكس بتلك الرائحة طيف حضورها.

كأنما الرائحة نفسها هي ذاكرتها العالقة في جنبات البيت، أو لربما كانت الرائحة مرتبطة بها حين قالت ذات يوم: للحبق قدرة على نَشر عبقه داخل تجاويف الأثاث، وخاصةً الخشب!.

ثم كانت النافذة ذات الستارة البيضاء لا تزال كما رتبتها آخر مرة ونظفتها، ببياضها الناصع تتموج مع هسيس الرياح، وعلى المنضدة هناك خُبز ذو أطراف محترقة سوداء، يبدو أن أبي فَشل كعادته في صنعه، وكما كانت تقول أمي: انتبه من محمصة الخبز، إنها خداعة قد تسلب منك فرصة تذوق خبز مقرمش شهي دون أطراف محروقة ومكسرة.

وقعت عيني على الجبن، أعرف تماماً من صنعه بيديه، من قام بتخثير الحليب ليُعطينا ألذ جبن يمكن تذوقه، وهناك أيضاً الحليب، لا أعلم إن كان طازجاً أو أنه الحليب الذي قامت زهرة منزلنا بجلبه من مزرعة الأبقار ليلة البارحة.

أخرجني صوت أبي المباغت من شرودي: هيا ابدأوا بتناول الطعام!!

ـ يعزّ علينا يا والدي، أن نجتمع حول المنضدة وهناك غائب!
ـ يعزّ على الجسد أن يتحرك ليأكل ما يتركه حي وقد قُتلت روحه!.
قلتها في نفسي!!.

كرر أبي الطلب: لِمَ لا تأكلون… هاه؟
ـ لا نشعر بالجوع.
لكنكم لم تأكلوا منذ صبيحة اليوم… هيا، تناولوا طعامكم ولا تثيروا غضبي!

ثم ضرب الطاولة بطرف يده… فانتفضت أجسادنا الصغيرة، تتساءل… أيُّ رجلٍ هذا؟
كيف أمكنه أن يعيش حياته ساكناً بعد فقدان زوجته…. أمي… حياتنا… ووردة هذا المنزل؟!.

طاف محياها في الأجواء، مع النسمات الباردة التي دخلت من زوايا النافذة المخلوعة، رأيتها تربّت على كتفي… تضع يدها على جبهتي وتنظر إلي بحنوٍ كعادتها!!.

فأغمضت عيني… حتى لا تفضح سرائري، لكن القهر قد باغتني وتجمع بين جفني، ثم سقط بعد أن أغلقت أبوابها حتى أُخفي تلك الغصة!.

صاح والدي: لِمَ تبكين؟… هاه؟ أتظنين أنك بهذا الفعل ستعيدينها؟
أن ترينها تتحرك من جديد بين زوايا المنزل؟
أن تحضر لنا الطعام… تغسل الأطباق، وتضع الأغطية على أجسادنا الباردة؟
هل تعتقدين أنها ستعود لتحنو علينا من جديد لتمسح عنا أوجاعنا، بينما هي تبكي كل ليلة على وسادتها وحيدة؟

تنسج من قميصها المهترئ ضمادات لأرواحنا المتعبة، وتُخفي تلك الأجزاء الممزقة بالصبر والحمد؟
هل ستعود لتدندن لنا بصوتها الحميمي الشجي؟
تمنحنا من قوتها، بينما جسدها يتآكل ويضعف؟
تفكر ليل نهار كيف يمكنها إنجاز كل مهامها اليومية ثم تبتكر لنا أجواء ليلية لتبقينا على مشارف الذكرى؟

(دسست وجهي بين كفّي أريده أن يتوقف عن جلدي أكثر)
لكنه أكمل:

ذكرى لحظات خلقتها هي…. قامت بحياكتها بنفسها، بصوت ضحكتها الرنانة وألعابها المبتكرة، والمأكولات الشهية التي تحضرها لنا لنشاهد فيلم عائلي!!.

أتظنين……. أأ…
ثم تهدّج صوته…… وبكى.
بل إنه كان يبكي كطفلٍ صغير، ويكمل قوله: أتظنين أنها ستعود إلي كل ليلة لتخبرني أن الله كريم وسيرزقني من حيث لا أعلم؟.

ستبكي على قهري وأوجاع جسدي، وتضعني في حجرها لتحمل عني أثقال همي؟
ثم تخبرني بصوتها الحنون أن الفرج قريب وأن الله سيعوضني على هذا السعي؟.

ثم….. ارتفع عويلٌ حطم ذلك الصمت المهيب، عويله هو… وعويل قلوبنا الذي انفلق من أعيننا صمتاً!
وبعد أن أخذ القليل من الهواء، رفع رأسه صوب السماء وقال:
ربّي، ما هذا الابتلاء؟
كيف ينام المرء حِذاء شخصه العزيز.
ثم يستيقظ ليجده لا يتنفس… بارداً، خالياً من أي لون!!

يا الله… ما هذا الابتلاء؟
كيف أخبرتني أن الفرج قريب، ثم ارتفع مستوى الامتحان لصبري!
ربي… أنت حسبي ونعم الوكيل… سبحانك ربي لا إله إلا أنت، إنا لله وإنا إليه راجعون.

وسقط صمتٌ ثقيلٌ من جديد على المائدة، لم يجرؤ أحد على كسره، فبقيت أطباق العشاء كما هي، تشهد على غيابٍ لن تمحيه الأيام.

تم نسخ الرابط

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

فريال محمود لولك

الكتابة هي السبيل للنجاة من عالمٍ يسوده الظلام، ننقل بها سيل المعلومات لتوسيع مدارك القارئ المعرفية، أنا فريال محمود لولك، من سوريا، خريجة كلية التربية اختصاص معلم صف، وكاتبة منذ نعومة أظفاري، من وحي المعاناة وجدت في الكتابة خلاصي، ورأيت بها نور الله الآمر بالعلم والمعرفة، فاقرأ باسم ربك الذي خلق. فإن القراءة هي الطهارة لعقلك من كل جهل.