خاطرة العيد لم يأت بعد
كل شيء جاهز لاستقبال العيد، السماء تنتظر التكبيرات، النساء يجهزن الكعك، و”عزة” ترتب أغراضها، ولكن في أحد بقاع الأرض كان المشهد مختلفاً، فالعيد لم يأت بعد.
العيد لم يأت بعد
على غير عادتها، ذهبت الطفلة الصغيرة عزة باكراً إلى غرفة نومها، احتضنت فستانها الوردي الجديد، ووضعت على وسادتها علبة صغيرة تضم مجموعة من ربطات الشعر اختارتها بنفسها واحدة تلو الأخرى، وفي نهاية سريرها وضعت حذائها اللامع.
أغلقت عزة عينيها الجميلتين وهي تهمس “غداً العيد، سنصلي، ونأكل الكعك، ثم نذهب إلى جدتنا لتعطينا مالاً وحلوى، كم اشتقت إليها!”، كانت عزة تنتظر بفارغ الصبر أن يحل النهار، وما إن شعرت الصغيرة بضوء ذهبي خافت يتسلل عبر نافذة غرفتها، قفزت مسرعة تزف مجيء العيد وتطرق أبواب كل الغرف “هيا، استيقظوا، جاء العيد، أبي، أمي، جاء العيد”.
ارتدت عزة فستانها وهي تنظر إلى المرآة، كانت سعيدة للغاية، فقد انتظرت هذه اللحظات لعام، أو ربما لأعوام..
بدأت تُمشّط شعرها، وهي تبتسم لنفسها بفخر يليق باسمها فقالت: كم أنتِ جميلة يا عزة!
خرجت الصغيرة إلى صالة المنزل، وأخذت تدور بخفة أمام والديها، كأنها وردة تفتحت للتو، ففاح عبيرها وملأ أرجاء البيت.
كانت أمها تضحك وتصفق، ووالدها يفتح ذراعيه ليستقبلها بين أحضانه، ثم قال لها: “كل عام وأنتِ بخير يا حبيبتي”.
ولم ينس والدها أن يعطيها العيدية لتخرج وتشتري كل ما تريد، أصوات تكبيرات العيد كانت تخترق قلب الصغيرة فتزيدها سعادة، بالونات ملونة في كل مكان، ضحكات تملأ الأجواء، حتى السماء، كأنها كانت تتزين لاستقبال العيد.
ثم بدأت صلاة العيد، لم تكن عزة تدرك ما يقوله الإمام، فهي لم تكمل عامها السادس بعد، لكنها رفعت يديها إلى السماء وقالت بصوت هامس: “يا رب” كما تردد والدتها دائماً، وبعد انتهاء صلاة العيد، شعرت بيد دافئة تربت على كتفها، إنها والدتها التي اشترت لها بالونة كبيرة بلون فستانها الوردي لتكتمل سعادتها.
فأخذت عزة البالونة بيدها وأمسكت بالأخرى يد والدتها وظلت تُقبّلها، وقالت لها: “إنه أفضل عيد يا أمي، انتهت صلاة العيد وسكتت التكبيرات، وحان الوقت لنذهب إلى جدتي، ولكن أريد أولاً أن أستمع إلى أغنيات العيد، فهي تزيدني فرحاً وسروراً”.
“أغنيات العيد بدأت يا عزيزتي وصوتها مرتفع، ألا تسمعينها؟”
“جينا نعيدكم.. بالعيد بنسألكم….
ليش ما في عنا… أعياد ولا زينة”…
“لا يا أمي، أنا لا أسمع، لا التكبيرات ولا الأغنيات، ماذا يحدث؟ أمي.. تذوب الألوان أمام عيني، أمي… تختفي الضحكات، يحل الضباب..
أمي! أين أنتِ؟”.
مدت عزة يدها ظناً منها أنها ستمسك بيد والدتها، لكنها أمسكت سراباً، بدأ صوتها يرتجف: “أمي، ماذا يحدث؟” لكن لا أحد يجيب، صمت مخيف سكن الأرجاء، قطعه صوت إنفجارات متتالية، فاهتزت يد الصغيرة وسقطت منها البالونة.
وفجأة فتحت عزة عينيها فزعاً لتجد نفسها في خيمتها، على فراشها الذي صنعته لها أمها، وبأحضانها فستان قديم كان يوماً وردياً، لكنه أصبح بالياً، ولا يقدر أبواها على شراء غيره في ظل الحصار، لا كعك، لا ربطات شعر جديدة، ولا حذاء لامع… فقط فستان قديم تحكي خيوطه حكاية عِزة.
غزة العِزة، البلدة التي تتزين للعيد بالصبر بدلاً من البالونات، وتخفي تحت أنقاضها تكبيرات مؤجلة، ربما لم يأت العيد بعد، لكنه في طريقه يمشي على مهل، يحمل معه سعادة لا تعرف للنهاية طريقاً، وحينها ستضحك عزة من قلبها وهي على يقين أن ما تعيشه ليس مجرد حلم.
تم نسخ الرابط





