المؤمن الذي ضلّ لأنه ظنّ أنه وصل بقلم: نور الهدى خليل
هناك نوع من الضلال لا يشبه الضلال، لا يأتي على هيئة معصية، ولا يبدأ بترك الصلاة، ولا يظهر في صورة إنسان يكره الدين.
بل يبدأ أحيانًا بجملة تبدو جميلة جدًا:
- “أنا أعرف”.
أعرف لماذا حدث هذا.
أعرف ماذا يريد الله.
أعرف من هو الصالح ومن هو الطالح.
أعرف من سيدخل الجنة ومن يستحق النار.
ومن هنا تبدأ الحكاية الغريبة.
قد يتحول الإيمان، دون أن نشعر، من طريق نمشي فيه… إلى كرسي نجلس عليه ونحاكم الآخرين منه.
والإنسان عندما يظن أنه وصل، يتوقف عن السير.
ربما لهذا كان أخطر شيء في الدين ليس أن تشك فقط…
بل أن تصبح واثقًا من نفسك إلى درجة لا تعود ترى فيها احتمال أن تكون مخطئًا.
فكم من إنسان قال: “أنا أفهم الدين”، بينما كان في الحقيقة يفهم نفسه فقط؟
وكم من شخص ظن أنه يدافع عن الله، بينما كان يدافع عن غضبه؟
وكم من إنسان حارب من أجل الحق، لكنه لم يسأل نفسه مرة:
- هل أنا أبحث عن الحق… أم أبحث عن الانتصار؟
الغريب أن الإنسان يستطيع أن يحفظ آلاف الكلمات عن الرحمة، ثم يقسو على شخص واحد.
ويستطيع أن يتحدث عن التواضع، ثم يرى نفسه أفضل من الجميع.
ويستطيع أن يخاف من الله، لكنه لا يخاف من ظلم إنسان ضعيف لا يستطيع الرد عليه.
وهنا يظهر سؤال مخيف:
- ماذا لو كان أكبر امتحان في الإيمان ليس أن تعرف الله، بل أن تعرف حجم جهلك؟
أن تقول:
- لا أعرف كل شيء.
- لا أعرف لماذا حدثت هذه المصيبة.
- لا أعرف لماذا تأخر هذا الدعاء.
- لا أعرف لماذا سلك شخص طريقًا مختلفًا.
ولا أعرف ماذا يخفي الله خلف الأشياء التي أكرهها اليوم.
لكنني أثق أنني لا أرى الصورة كاملة.
ربما هذه ليست علامة ضعف.
ربما هي واحدة من أعمق صور الإيمان.
لأن الإنسان الذي يعترف بأنه لا يعرف، يترك نافذة مفتوحة للسماء.
أما الذي يظن أنه يعرف كل شيء…
فقد يغلقها بيده.
وربما لهذا السبب، في عالم مليء بالناس الذين يتحدثون باسم الدين، نحتاج أحيانًا إلى إنسان يجلس بصمت ويقول:
- “يا رب، أنا لا أفهم”.
ليس لأن إيمانه ضعيف.
بل لأنه يعرف أن هناك أشياء أكبر من عقله.
وربما تكون أغرب رحلة دينية في حياة الإنسان هي أن يبدأ بالبحث عن الله…
ثم يكتشف في النهاية أنه كان يحتاج طوال الوقت إلى أن يبحث عن نفسه أمام الله.
وعندما يصل إلى هناك، قد لا يجد إجابات كثيرة.
قد يجد سؤالًا واحدًا فقط:
- “بعد كل ما عرفته عن الدين… هل أصبحت إنسانًا أفضل”؟
إذا كانت الإجابة نعم، فربما كنت تسير.
أما إذا كانت الإجابة لا…
فربما كنت تقرأ الطريق، دون أن تمشي فيه.





