قصة بعنوان “انتقام، حب”
انتقام، حب: شعوران سكنَا قلبها معاً، انتقمت من كل ذكر يشبه أباها القاسي، حتى التقت رجلاً مختلفاً، أربكَ حقدها، وعلّمها أن الرجولة لا تعني القسوة.
انتقام، حب
القرار حُسِمَ، ففي هذهِ المرة كانت ندى مُصرة على قرار الطلاق، لا مجال للتراجع، ولا فائدة من البقاء في زواجٍ أنهكها لسنوات، مزّق أعصابها وأحلامها، وخلّف في قلبها جرحاً غائراً لا يلتئم، كانت ندى تعلم أنّها تخوض معركة أخيرة، معركة من أجل كرامتها، ومن أجل طفلتها التي لم تعد تحتمل صراخ الليل وبكاء الأم، ولا عودة الأب سكران متعب يحمل رائحة الخمر بدل الحنان.
في تلك الليلة، جلست ندى أمام المرآة، تحدّق في وجهها الشاحب وعينيها المتعبتين، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها رغم الألم، كانت تعلم أنّ الغد سيحمل بداية جديدة، جمعت ما استطاعت من ذكرياتها في حقيبة صغيرة، وأقفلت الباب وراءها للأبد، في قلبها شعور متناقض بين الحزن والتحرر، بين الخوف من المجهول والأمل في حياةٍ أفضل.
أما هبة، تلك الفتاة الحسناء ذات البشرة البيضاء كالحليب، والشعر الأسود الطويل الذي ينساب على كتفيها كجدائل الليل، كانت تقف صامتة عند الباب، تحمل دميتها القديمة بين ذراعيها، تحدّق في والدها النائم على الأريكة وقد أوقع زجاجة الخمر بجانبه لم تنطق بكلمة، فقط نظرة طويلة تملؤها الكراهية والخذلان كانت تلك النظرة بداية انتقامٍ خفيّ، انتقام من كل ذكر يشبهه، من كل رجلٍ يظن أن المرأة مخلوقة للانكسار.
ندى بصوتٍ متماسك رغم الارتجاف: لا تحزني يا صغيرتي، فهذهِ البلد لم تعد موطننا البلد تخلت عنا، ووالدكِ أيضاً اتبع الخمر والأشياء المحرمة.
جلست هبة قرب نافذة الطائرة، وعيناها تلاحقان الغيوم المترامية خلف الزجاج، تهز برأسها نحو الأسفل وكأنها تقول: لا بأس يا أمي، لكن في داخلها، كان هناك عالمٌ آخر من الأسئلة والفوضى، تذكّرت كيف كانت تصحو ليلاً على صراخ والديها، وكيف كانت تختبئ في الزاوية ممسكة بآذانها، تخاف من أن يتطور الشجار إلى ما هو أسوأ، كل تلك الذكريات كانت تدور في رأسها كفيلمٍ لا ينتهي.
ندى تابعت وهي تحاول أن تخفي دموعها: أنا أعتذر يا فتاتي، لكن ما فعلتهُ هو الأفضل لكِ، فأنا لم أعد أطيق تصرفات والدكِ، ورغمَ كل المصائب التي سببها لي، لن أجعلهُ يكسركِ.
كانت كلماتها كالعهد، وعدٌ أموميّ بالحماية، حتى لو اضطرها القدر إلى الهرب من وطنٍ بأكمله.
مرت الساعات ببطء، والطائرة تشق طريقها في السماء المظلمة، بينما هبة تغوص في أفكارها، تتخيل حياتها الجديدة في بلدٍ غريب، بين ناس لا تعرفهم، ولغة لا تتقنها، كانت تخاف، نعم، لكنها أيضاً تشعر بقوة غريبة تنمو داخلها، كأن شيئاً في داخلها يهمس: لن أكون ضعيفة.
حطت الطائرة في مدينة كامب، ومع أن البرد كان قارساً والسماء رمادية، شعرت ندى وكأنها تتنفس للمرة الأولى منذ سنوات كانت تجر حقيبتها الصغيرة وتمسك بيد هبة، التي تنظر حولها بفضولٍ وخوف، في أثناء المسير داخل المطار….
يتبع…
تم نسخ الرابط





