انتهت قصتي تحت الأنقاض وبدأت أخرى
لم أكن أعلم أن المشهد الأخير من الحياة سيكون بهذه الظُلمة والسواد ورائحة الغبار، كان إيماني الأكبر أن هذه الحياة تخطف أحدنا ليعيش آخر، تحت الأنقاض (ريبورتاج سوري).
انتهت قصتي تحت الأنقاض… وبدأت أخرى
كانت تلك هي اللحظة الأخيرة التي تذكَّرتُ فيها معنى “الحياة”…
الضحكات تُتراقص في الهواء، كفراشاتٍ مخمورة تدنو بين الأرواح، أحدهم يحتسي قهوته ببطء، كأنه يرتشف ذكرياتٍ عالقة بين حبات البن، وآخر يرمي نكتةً عابرة لتُفتح أبواب الذاكرة، كما تُفتح علب السردين الصدئة.
أصوات الباعة، ضجيج الجيران، طفلةٌ تبكي طالبةً دُميةً بضفائر طويلة… هذا كل ما تذكَّرته قبل أن يُطبق الظلامُ على العالم.
الظلام الذي لم يكن ظلامًا.
كان ظلامًا ثقيلًا، ككفٍّ مُشوَّه يضغط على عينيّ حتى كدتُ أرى النجوم خلف جفوني المغلقة، الهواء كان يُشبه شهقة غريق، والغبار تَسلَّل إلى رئتيّ كأصابع خفية تختنق بها أحشائي.
رأيتُ نفسي محشورًا بين أحجارٍ عملاقة، كحشرةٍ تُحاول الزحف من تحت صخرة، يديّ كانتا عالقتين بين حجرين، وكأن الأرض قرَّرت أن تصافحني للمرة الأخيرة… مصافحةً قاتلة.
الركام… مملكة الموت البطيء.
تحوَّل الهواء إلى سائلٍ غليظ، والغبار صار طعامي وشرابي! شعرتُ كأنني تحوَّلتُ إلى كتلة خرسانية، صدِئَت من الداخل، بينما الحياة تُجرِّب عليَّ أساليبَ تعذيبٍ جديدة أو ربما أرادت الحياة وأدنا أحياءً علّها تستلذ بطعم جسدٍ مبتور الروح جزئياً.
ثم… سمعتُها!!….. صوتٌ خافت، كهدير حمامٍ بعيد، أو بكاء قطةٍ ضالة…. “ماما… ماما!” حاولت أن أضع كامل تركيزي على الصوت لكن أذناي لم تسعفاني، بل إنهما كانتا مصقولتان بالخيانة، لأن الطنين بهما لم يرحل بسهولة، وكان يفيض فقط بذكرى صوت ضحكات عائلتي قبل ساعتين على الأرجح.
ثم عرفتها….. كانت ريما… ابنة أختي بصوتها الذي يرتعش كفراشةٍ وقعت في شبكة عنكبوت، حاولتُ أن أصرخ، لكن جدران الموت كتمت صوتي؛ حاولتُ أن أتحرَّك، لكن الركام صار جزءًا من جسدي.
نور… أم هلوسة المحتضر.
رأيتُ خيطًا رفيعًا من النور يتسلل من بين الصخور، كأن السماء تُرسل لي إشارة استغاثة هي الأخرى، النسمات كانت تمرُّ من ذلك الثقب، كأرواحٍ تهمس لي: “انتظر قليلًا… لا تمت الآن”.
صرختُ: “في حدا هون؟ ساعدونا! في أطفال!”.
لكن الصوت ضاع في متاهة الحجارة، كصرخةٍ في مقبرة.
ريما… واللعبة الأخيرة.
“عمو… شوفي! أنا بدّي ماما! الجنيات سكرولي عيوني!”.
كانت تتحدث كأنها ما زالت في غرفتها، تلعب مع دميتها كدتُ اختنق من شدة البكاء، لكني كتمته “اسمعي يا حبيبتي… هيدي قصة العصفور اللي طلّ من الشباك…”.
بدأتُ أحكي لها قصةً لا معنى لها، فقط لأسمع صوتها مرة أخرى وأخبرتها أن تدندن لي بصوتها العذب بعض الأغاني التي كانت تغنيها لها والدتها…. حينها ارتجلت وبدأت بالغناء “عصفور طلّ من الشباك وقلي يا نونو…. خبّيني عندك خبيني دخلك يانونو”.
الإنقاذ… أو نهاية المأساة.
جاء صوت الجرافات كأجراس خلاص. سمعتُ أحد المنقذين يصرخ: “في طفلة هون! بس الأساس ممكن ينهار!”.
أدركتُ في تلك اللحظة أنني سأموت، لكن ريما… ريما يجب أن تعيش، لذا عاندت العمر والموت وصرخت “طلعوها! لا تستنوا! اتكلوا على الله!” كانت تلك كلماتي الأخيرة.
سمعتُهم يُنقذونها، بينما أنا أغوص أكثر في الظلام، وهي لا تزال تُغنّي: “عصفور طلّ من الشباك…”.
نعم ياصغيرتي، سيطلّ العصفور مجدداً من النافذة ويبشرك بحياةٍ جديدة.
ثم…
صوت ارتطام.
رأيتهم يبتعدون عن المبنى…… وهو يهوي أكثر فأكثر….. بعضهم يبكي على بقايا رفات الأرواح…. وآخرون يصرخون لعدم قدرتهم على إسعاف الأحياء ممن بقي….. مررت بين أجسادهم كطائرٍ خفي…. يطوف بين السماء والأرض ويحضر المشهد الأخير لوداعه…… رأيت يدي وحدها…. وحدها من بقيت أعلى الركام….. وعلى مايبدو أن ريما عاشت…. بينما أنا متّ!.
(وفي النهاية، لم تكن ريما اليتيمة الوحيدة… بل كنتُ أنا أيضًا، يتيمَ الحياة والموت معًا).
تحت_الأنقاض.
فبراير_2023.





