قصة بعنوان “انتقام، حب” 4 بداية الرحلة الجديدة

بعد كل ليل ستشرق شمس الصباح، هكذا هي الحياة فبعد كل رحلة شاقة هناكَ بداية للرحلة الجديدة، وهبة أيضاً قررت أن تصنع بداية الرحلة الجديدة بتحقيق حلمها.

بداية الرحلة الجديدة

بداية الرحلة الجديدة في المخيلة كانت أكثر من رائعة حيثُ ذهبت هبة مع والدتها إلى المطار، وكل خطوة كانت مليئة بالإثارة والانتظار صعدتا معاً على متن الطائرة، وحين جلست هبة على المقعد المطل على النافذة، شعرت بأن كل لحظة تمر فيها تحملها خطوةً نحو الحرية والاستقلالية، خطوةً بعيدة عن كل الألم الذي عاشته في بلدها السابق.

مع هبوط الطائرة في سويسرا، كان المشهد مختلفاً تماماً، شعور الهواء البارد يلامس وجهها، ورائحة المدينة الجديدة تعبق في المكان وبينما كانت تستعد لتستلم شنتها، حدث خطأٌ طريف لكنه محرج تبادلت شنتها مع شنتة شابٍ طويل القامة، أبيض البشرة وأشقر الشعر، كان سعيد النادل الذي قابلته في المطعم قبل أيام، في الموقف الذي جمعها مع كمال.

سعيد، الذي عاد من ألمانيا بعد أن تعرض والده لجلطة قلبية، اضطر للبقاء في سويسرا لأنه الآن مُكلّف بإدارة الشركة الإعلامية العائلية، حسب رغبة والده الذي أراد أن يكون سعيد إلى جانبه خلال فترة النقاهة، وأن يسلمه زمام الأمور شيئاً فشيئاً سعيد كان شاباً عصبي المزاج، لم يجرب الحب بعد، إلا أن جمال هبة وسحرها الخفي أسر قلبه من النظرة الأولى، شعور لم يعرف له تفسيراً سوى الانبهار الكامل.

بعد ساعات قليلة، وعبر سوء التفاهم الذي حصل بشأن الحقائب، التقيا هبة وسعيد مجدداً وعند استرجاع شناتيها، لاحظ سعيد نظرات هبة الباردة والتعالية التي تتعامل بها، ومع ذلك لم تستطع عينيه أن تتجاهل ذلك الجمال الذي يلوح أمامه.

حاول سعيد أن يأخذ منها موعداً، صوته يحمل الحماس والجرأة، لكنه كان متوتراً قليلاً بسبب طريقة هبة المتحفظة.
سعيد: ربما يمكننا الخروج لتناول القهوة سويةً؟
هبة، ببرودٍ وتكبر، رفعت حاجبها وقالت: لا، شكراً، أنا مشغولة.
لكن في داخلها، شعور غريب يتشكل، مزيج من الفضول والانتباه، نظراته لم تكن معتادة، كانت مختلفة عن كل ما رأت في الرجال الذين خذلوها سابقاً.

حتى أثناء طريقها إلى الفندق مع والدتها، شعرت هبة بأن سعيد يراقبها من بعيد، بخجلٍ وحذر، كل حركة منه كانت محسوبة بعناية، وكل ابتسامة صغيرة كانت تترك أثرها في عقلها رغم أنها لم تُظهر أي اهتمام.

أمها، ندى، لاحظت هذا التوتر والاهتمام الغامض الذي يحيط بابنتها، شعرت بمزيج من القلق والحماية، لكنها لم تقل شيئاً، فهي تعرف أن هبة اليوم أكثر وعياً من أي وقت مضى، وأن أي محاولة للتدخل ستواجه بعزيمة وصلابة من قبل ابنتها.

في تلك اللحظة، وسط صخب المطار وضجيج المسافرين، بدا أن كل شيء في سويسرا سيبدأ بمشهد جديد من حياتهما، حياة مليئة بالفرص، الغموض، والتحديات، حيث الانتقام والحذر والحب المحتمل يتشابك معاً في نسيج لا يمكن التنبؤ به.

اتجهت هبة مع والدتها ندى إلى بيت خالتها، حيث استقروا لفترة مؤقتة، لحين إيجاد منزل مناسب للانتقال والإقامة فيه، كان بيت الخالة دافئاً، يملؤه الحنين والذكريات، لكنها لم تكن قادرة على الاسترخاء تماماً كل لحظة تمر كانت تذكّرها بخططها للانتقام وبالحياة الجديدة التي أرادت أن تبدأها بعيداً عن الألم والماضي.

بدأت هبة بالبحث عن عمل، فقد شعرت بأن الاستقلال المالي سيعطيها قوة أكبر، وسيزيد من شعورها بالسيطرة على حياتها وبينما كانت تتصفح الإعلانات، وقع نظرها بالصدفة على إعلان يخص شركة مختصة بالأزياء، الشركة نفسها التي حلمت منذ زمن بعيد بالعمل فيها كان الإعلان يطلب موظفة متميزة، لديها القدرة على الإبداع والاهتمام بالتفاصيل.

قررت هبة أن تغيّر مظهرها بشكل كامل، لتبدو أقل لفتاً للأنظار، كي لا يعرفها أحد، سواء من زملاء العمل أو من خارجها، حفاظاً على هويتها وخصوصيتها قامت بوضع شعر مستعار لون بني وغطت شعرها الأسود، تسريحة مختلفة، وضع لمسات من المكياج البسيط الذي يخفي ملامحها المعروفة، واختارت ملابس عادية، تجعلها تبدو فتاة عادية بين الموظفين كل شيء كان محسوباً بعناية، فهي لم ترغب في أن يكتشف أحد أنها نفس الفتاة التي التقت بسعيد في المطار أو أنها ذات مكانة عالية في حياتها السابقة.

لكن الصدفة لم تتركها تهرب من الماضي سعيد، الذي استلم إدارة الشركة بعد استقالة والده بسبب مرضه، كان يتفقد سير العمل بنفسه وعندما دخلت هبة الشركة، حتى بعد كل تغييراتها في المظهر، شعرت بأن قلبه يرفرف بسرعة لمجرد رؤيتها لم يصدق عينيه، حاول أن يسيطر على نفسه أمام الموظفين، لكنه لم يخف الفضول والانتباه الذي شعوره تجاهها.

مرت الأيام، وهبة تعمل بجد، تراقب الشركة بعين خبيرة، وتتعلم أسرار الإدارة والأزياء في الوقت ذاته كانت كل خطوة تخطوها محسوبة بعناية، فهي تعرف أن كل لحظة يمكن أن تكون فرصة لتعزيز مكانتها وإثبات قدراتها، وربما أيضاً لمتابعة خططها المستقبلية للانتقام والسيطرة على حياتها بالكامل.

أما سعيد، فكل يوم يراقبها من بعيد، يحاول الاقتراب منها بحذر، ويبحث عن أي فرصة لإشراكها في مشاريع الشركة، دون أن يبدو مفتوناً بها ومع مرور الوقت، بدأت هبة تشعر بمزيج غريب من الانتباه والفضول تجاهه، لكنها حافظت على برودتها وتعاليها الذي تعلمته خلال سنوات الألم والخيانة، لتبقى دائماً المسيطرة على مشاعرها وأفكارها.

في هذه الأجواء، بدا أن حياة هبة في سويسرا ستدخل مرحلة جديدة من التحديات، حيث العمل، والسلطة، والذكاء، والمشاعر المتشابكة كلها ستتقاطع، لتشكل مساراً جديداً لحياة مليئة بالغموض، القوة، والانتقام المحتمل، بينما سعيد يظل حاضراً كظلٍ يراقب كل خطوة تقوم بها، غير قادر على مقاومة الانجذاب الطبيعي تجاهها.

بعد المحاولات الكثيرة من سعيد للاقتراب منها، كانت هبة ترفض حبه بعناد قلبها المملوء بالخوف من الرجال ومن الخيانة منذ صغرها لم يسمح لها بأن تفتح ذاك الجزء الضعيف في نفسها، كانت تعلم أن أي تعلق بأي شخص قد يعرضها للألم مرة أخرى، لذلك اختارت أن تحافظ على برودتها العالية، وتبقي سعيد بعيداً عنها، مهما كان انجذابه لها واضحاً.

لكن هبة لم تكتفِ بالابتعاد فقط، بل قررت أن تصنع له مصيدة تكشفه أمام الجميع أرادت أن تثبت له وللعالم أنه ليس الشخص الجيد الذي يحاول أن يظهره نفسه، في أحد الأيام، حين دخلت المكتب لتقدّم له الشاي، ارتدت ابتسامة مزيفة تحمل برودة قلبها الداخلية، وقالت له باستفزاز، هبة: أنا لا أريدك أن تبقى بجانبي.

سعيد، الذي لم يعتد على رفضٍ صريح، اقترب منها ببطء، ووجهه جاد ولكنه متفهم، سعيد: ماذا؟ لماذا لا تريدين قربي؟

في تلك اللحظة، شعرت هبة بأن قلبها يرفرف بين التوتر والدهاء، فقررت أن تصرخ بأعلى صوتها، هبة: يتحرش بي! أنقذوني!

في نفس اللحظة، كان والد سعيد قد حضر في زيارة للشركة للاطلاع على سير العمل بعد استلام ابنه المسؤولية الكاملة، عندما سمع الصراخ وتوجه بسرعة، ورأى دموع هبة على وجهها، ارتبك تماماً كانت عيناه تتسعان، وقلبه يخفق بعنف شعوره بالغضب والخوف من تكرار حادثة سابقة مع ابنه جعل جسمه يهتز، وكاد أن يصاب بجلطة ثانية.

سعيد، المعروف بأخلاقه ونقاء قلبه، شعر بالصدمة والخجل من سوء التفاهم الكبير الذي حصل لكنه لم يفقد هدوءه، وحاول أن يشرح نفسه، لكن….

يتبع…

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

نسرين أحمد جوخدار

اسمي نسرين أحمد جوخدار، كاتبة قصص قصيرة، أرى بالكتابة أكثر ممّا أرى بعيني، فهي نافذتي إلى العوالم الخفيّة، ومرآتي التي تُظهر ما لا يُقال.
زر الذهاب إلى الأعلى