إعلان - Advertisement

مذكرات بقايا امرأة من رماد

سيكون صباحي أكثر إشراقًا ما إن رميتُ هذا الثِقل هنا، اعذريني أيتها الحروف، لكنني هجرتك عندما ظننت أنك تكشفين نقاط ضعفي، هنا سنخط مذكرات بقايا امرأة.

بقايا امرأة من رماد ـ كطائر الفينيق تخرج من أسفل الرماد

صباح الخير، كَيف حالي اليوم؟
يبدو أنني في حالة فوضى عارمة، إذ لا بدّ أن هذا الخراب لم يحدث عبثًا، بل إنه جاء من نتاج التراكمات وعدم التجاوز…

والآن، لنرتّب كل شيء، ونلملم بقايا المرأة المترامية هنا وهناك، لنبدأ من حيث توقف الزمن بالنسبة لك، ماذا حدث؟.

ـ كان الأمر أشبه بحطام سفينة على شاطئٍ لم ترسَ عليه، كأنما نُسفت الأحلام كلها ووضعتها شظاياها على جدرانك حتى تُذكّرك دائمًا بخيبتك، وأكثر ما كان يجعل نيراني تتقد، هو أن الجميع لوّح لي بمراوح السعف يدّعي أنه سيطفئ تلك النيران.

بينما كانوا في نظري يخفون خذلانهم لي بتلك المراوح، ولكن لم يعد الأمر يعنيني، أنا شخصٌ بسيط، تُسعدني الكلمات البسيطة وأبادرها بأفعالٍ تزخر بالعطاء.

ابتسم لرؤية وجهٍ أعرفه في محطات الوجوه الغريبة، ألوذ بالفرار بحثًا عن حضنٍ دافئ كلما عاندتني الحياة، أثمل كالسكارى حينما أرى قطرات المطر تنقر باب غرفتي.

أبكي لرؤية مكسور لا أتمكن من جَبر كسوره، واستعيدُ قوتي بأن أجاهد نفسي على مشقة الاستيقاظ كل يوم لأواجه روتيني اليوم الذي كَرهت.

لا تعنيني المجوهرات بقدر ما يعنيلي قطعة حلوى تأتيني بغتةً فتُبكي بهذا طبيعتي الطفولية التي حُرمت، أشعر بأن الأكسجين يملأ رئتي حدّ الانتفاخ عندما أركض كما اعتدت في الصغر.

أبحث عن الحب بين الوجوه ويداوي جُرح قلبي ابتسامةٌ زرعتها بنفسي على وجه أحدهم، وفي بعض الأحيان، أكون كما القطة حين تموء من شدة حاجتها للعطف والحب، ثم تتمطمط لتُخفي خيبتها بعد أن عاندها الواقع البائس.

تدرءُ عن نفسها جنحة الإذلال بادعاء اللامبالاة، عدم الاكتراث، والاكتفاء….. يمكنني أن أكون الوتد الذي استند عليه، لا حاجة لي للأوتاد.

وبعد كل هذا…… أعود لمسكني، أبكي وحدي، أتناول طعامي وحدي، انظر لطفلتي وأُخفي دموعاً هاربة من مقلة متحجرة جاهدت بشقّ الأنفس أن لا تدمع، لكنها في النهاية أمطرت.

أقول في نفسي بينما أتأمل صغيرتي: ياريحانة القلب، وعطر الروح وشذاها، آلا ياليتني أكثر توازنًا من الداخل، حتى أراكِ تكبرين وأنت سويّة النفس، أخاف عليكِ من كسرةٍ تبدو على ملامحي، أُخفيها قسرًا ولكن يفضحني انفعالي!.

ثم يبدأ ألم ظهري المستمر ليؤكد انكساري، انكسار نَفسي ومرضها، وانكسار همّتي على الاستمرار، أقول ياليتك تبقين صغيرة، حتى أتمكن من تأمين حياتك ثم التلذذ برؤيتك تكبرين أمامي وأنا أشهد على كل تفصيل يتغير بك.

أكون أكثر تركيز عندما أرى أول نكتة اختلقتها أنتِ، لتخبريني بأنك تشبهيني حدّ التماثل، أكثر يقظة عندما تُخبريني عن صديقك عُبادة، أكثر انصاتًا بينما تشتكين من شوقك المستمر لي.

أتعلم أن اسوأ مافي الأمر، هو أنني أبدو حينما أكتب أنني أكثر الشخصيات تعاسةً، وأظهر كما يكون الشخص السلبي وهذه أكثر الصفات التي أكره، وواقعي لا يُشبه ما أكتب، بل أن كل من رآني وعَرفني، التمس مني حاجةً بدَت له بعيدة المنال، رأى بداخلي طاقة ايجابية يمكن لها أن تؤثر على محيطٍ تعيس بأكمله لتلغي تعاسته.

فكيف أكون هكذا هنا؟
ربما هذا أكثر ما جعلني أبغض الكتابة، أنها تفضحني، تفضح دواخلي ونزاعاتي وصراعاتي التي بتّ أكره، إنها ذات الصراعات منذ سنين، ولكنها في تطور واتّساع، ربما أنا عاطفية للغاية، أريد لنفسي حياةً كما أحلم، والسعي للحلم يجعل عدم الوصول أشبه بانكسارٍ لايُجبر.

ربما عاطفتي ترفع من حدة العتاب للنفس، إذ أجلدها بأنني أقتل وقتي في اللاشيء، أُضيّع سنيناً من عمري سأشتاقها غدًا، أغفل عن أهم الخطوات والسنين في حياة طفلتي ونشأتها، أعاتب نفسي حتى إن قصّرت في تنظيف منزلي، في الطهي، في العملِ، وفي مشاركة طفلتي تفاصيل حياتها!.

ورغم كل هذا أنا موجودة، لكن ليس بالحدّ الذي يجعلني أرضى به عن نفسي، وعدم القدرة على بلوغ الرضى هو أسمى مراتب الألم بالنسبة لي، هذه هي عتبة ألمي!.

عتبة الألم

يبدو أن عتبة الألم بالنسبة تتمثل بأن أكثر ما يوجعني، هو قناعتي بأن طاقتي كبيرة ويمكنني فعل الكثير، ولكن عندما تبوء غالبية مخططاتي بالفشل، أُصاب بخيبة فقدان الاحترام لذاتي!.

أنا لا أحترم نفسي حينما تفقد قدرتها على ضبط انفعالاتها، فتعيش صراعاتها وتتناسى ذاتي مسؤولياتها، بأن تتطور، تُعطي، تَبني، ترمم، تعالج وتَسند الآخرين.

أيّ غباءٍ هذا؟
الذي يجعلني على قناعة تامة بأنني لا استحق قليلاً من الراحة دونما تأنيب؟
هل تصدقني لو أخبرتك أنني حتى وإن قررت الابتعاد عن العمل، والمسؤوليات، ومارست فقط نشاطاتي كـ أنثى وأم، فإنني بهذا أموت نفسياً؟.

أشعر بأنني قصّرت، تجاه ترميم شروخ هذه العائلة، الإصلاح المادي لسدّ النواقص، بناء الذات وتطويرها، تأمين مستقبل لطفلتي أفضل، حتى قصّرت تجاه نفسي بأنني فقدت احترامي لها وتقديرها الذي لا يُبنى إلا إن كانت مثالية على النحو الذي رَسمت!!.

فما الذي حدث لي بالله عليك!
أين الحياة التقليدية الروتينية والنمطية التي كنّا عليها؟
أكبر مشاكلنا هو أننا لم نتمكن من شراء الفستان الذي نحلم، نعاني من التفكير في “طبخة” اليوم!
أكبر همومي هو أن تكون صغيرتي من المتفوقين، أو أن راحتي تتلخص بالقليل من القهوة مع صديقتي “سمر” وثرثراتنا الفارغة!.

كل شيء يبدو ثقيل بالنسبة لي إن تخلص ضمن إطار هذه الحدود، هل يُخيّل لأحد أنني إن كُنت بهذه النمطية فإنني أشعر أن حياتي تمضي دون هدف، وأن الله سيعاقبني لأنه خلق بداخلي طاقة كبيرة يمكن لها أن تنجز الكثير ولكنني استهلكتها في الفوارغ ولا شيء آخر!.

هل انتبهت إلى أن حديثي غير متماسك؟
تناولت أطراف أحاديث من هنا وهناك حتى أصبت القارئ في حالة من الضياع حول معاناة النفس التي قد يكون غالبية الأشخاص يعانون منها!.

لكنني لم أكن واضحة في معاناة معينة، إنما نثرت أمامك الكثير من الأوراق وحمّلتك وزر الفهم!.

لعنة الوعي، هل يمكن لها أن تكن لديك لتفهم أنني أحكي عنك وعنها وعني وعن الجميع بطريقةٍ ما؟
لعنة الوعي هل يمكنها أن تجعلك تفهم أنني في حالة ضياع وهذا ما يترجمّه نصّي المشتت؟.

أفضل ما يمكنني فعله الآن، هو أن أقول: أحسنتِ ياصغيرة، لا عليكِ إن أفرغتِ مافي جوفك بين هذه الحروف، الكتابة جديرة بالاحترام لكونها ملاذك الوحيد، لا حاجة لكِ للنقم عليها، هنيئًا لكِ أن صباحك الآن سيكون أكثر إشراقًا لأنك بُحتِ ببعض الأمور واستكان قلبك المثقل.

إلى اللقاء يا صغيرة…. سنلتقي مجددًا في حديثٍ آخر.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

فريال محمود لولك

الكتابة هي السبيل للنجاة من عالمٍ يسوده الظلام، ننقل بها سيل المعلومات لتوسيع مدارك القارئ المعرفية، أنا فريال محمود لولك، من سوريا، خريجة كلية التربية اختصاص معلم صف، وكاتبة منذ نعومة أظفاري، من وحي المعاناة وجدت في الكتابة خلاصي، ورأيت بها نور الله الآمر بالعلم والمعرفة، فاقرأ باسم ربك الذي خلق. فإن القراءة هي الطهارة لعقلك من كل جهل.
زر الذهاب إلى الأعلى