مواقف بين الربح والخسارة تترك أثراً بلا عنوان
بين الربح والخسارة، تمرّ بنا مواقف لا تمنحنا فوزاً ولا تُخلّف هزيمةً، بل تترك فينا شيئاً من الانطفاء، وجزءً لا يعود كما كان.
مواقف بين الربح والخسارة
ثَمَّةَ لحظاتٍ لا تنتمي إلى فوزٍ واضح، ولا تُصنَّف هزيمةً صريحة، تخرج منها كما دخلت، لكنّك لست كما كنت، لا يصفك المنتصرون، ولا يحتضنك المنهزمون، تنجو، نعم، لكنّ نجاتك لا تُشبه السلامة، بل تُشبه البقاء في حيٍّ مدمَّرٍ بعد العاصفة، حيٍّ لا يحمل ذاكرةً إلّا للركام.
تمرّ الأيام، وتسأل نفسك كثيراً: ماذا حدث هناك؟
ماذا خسرت؟ ماذا كسبت؟
لكنَّ الأجوبة ليست واضحة، والألم لا يبوح، والصوت في داخلك خافتٌ ومتقطّع، كما لو أنّه يعاني هو الآخر من صدمةٍ لم تبرأ بعد.
بعض المواقف لا تُعلّمك شيئاً، بقدر ما تنتزع منك أشياء.
لا تمنحك دروساً صريحة، لكنها تسلبك شيئاً كان حيّاً، دافئاً، نابضاً بداخلك… ثمّ يمضي.
تمضي أنت، لكن بوجهٍ ناقص، وبروحٍ أثقل، وخطوةٍ لم تعد كما كانت سابقاً.
تظنّ أنّك عبرت، لكن الحقيقة أنّ شيئاً فيك علق هناك.
شيء لم يعد يثق، لم يعد يفتح قلبه بسهولة، لم يعد يحتمل العبور ذاته مرّةً أخرى.
وقد تضحك، وتبتسم، وتردّ على المكالمات، وتُكمل العمل كأنّ شيئاً لم يحدث، لكنّك تعلم، عميقاً في داخلك، أنّك فقدت نسخةً كاملةً من نفسك.
نسخةً لم يُعلَن وفاتها رسمياً، ولم يُصلِّ عليها أحد، لكنها ماتت، وانتهى الأمر.
ما يُؤلم ليس الألم ذاته، بل الجهل بما جرى.
أن تمشي وقلبك مكسوٌّ برمادٍ لا تدري متى اشتعل، ولا كيف خمد فجأةً.
أن تسكت، لا لأنّك قويٌّ فعلاً، بل لأنّك تعبت من الشرح كثيراً، لمن لا يرى ندوبك الباطنة.
إنّها لحظاتٌ لا تُخبرك أنَّ شيئاً ما انتهى، بل تُشعرك بأنَّك أنت نفسك قد انتهيت بشكلٍ ما، دون أن يلحظ أحد.
وكأنّك أطفأت ضوءً داخلياً دون أن تنوي ذلك، فقط لأنّ البقاء من دون انطفاء، لم يكن خياراً ممكناً.
تم نسخ الرابط





