لحظات من الرعب لن أنساها.. تجربتي مع الجاثوم كاملة

في هدوء الليل، داخل غرفتك وعلى فراشك، يمكن أن تعيش لحظات أكثر فزعاً من التي تشاهدها في أفلام الرعب، تلك كانت بداية تجربتي مع الجاثوم.

تجربتي مع الجاثوم كاملة

عدت إلى منزلي بعد عناء يوم طويل، قضيته بين الطرقات أبحث عن بعض الأشياء التي أحتاج إلى شرائها، هذه تصلح، وهذه لا، مظهري يوحي بأنني على ما يرام، لكن داخلي ليس كذلك..

وضعت أكياس مشترياتي بجوار سريري، تمدد جسدي النحيل كمن يرفع الراية البيضاء معلناً استسلامه أمام الإرهاق، غلبني النعاس دون أن أدري فاحتضنت أجفاني بعضها البعض، لكن ذلك لم يدم طويلاً.

فقد افترقت أجفاني مجدداً، غرفتي كما هي، الهدوء، النافذة المغلقة، الأضواء الخافتة، لكن أطرافي باردة، باردة جداً حد الارتعاش، قلت لنفسي: “ربما أحتاج إلى بعض الدفء، سأجلب الغطاء”، لكنني لا أستطيع أن أتحرك! لا أقدر سوى على التنفس بصعوبة بالغة كما لو أن أنفاسي تمر من ثقب إبرة!

ماذا أصابني؟ أود الصراخ، لكنني لا أستطيع، أشعر كما لو أن داخلي يصرخ بصوت مرتفع، لكن لا أحد يسمعني! أين أبي؟ أين أخي الذي ينقذني دائماً؟ وما الذي يقيد يديّ ويمنعني من الحركة؟

أشعر بقلبي يرتطم بضلوعي، صوت دقاته تزيد من خوفي، هل أنا على حافة الموت؟ لا أدري، كل ما وددت فعله حينها هو قراءة آية الكرسي، أتذكرها جيداً، لكن حتى لساني يعجز عن ترديدها، كانت لحظات الرعب تلك بمثابة عمر بأكمله مر أمام عيني وأنا ناظرة إلى الأعلى أنتظر خروج روحي من جسدي.

لكن ذلك لم يحدث، تبللت جبهتي، هدأت نبضات قلبي، تحررت يداي، فصرخت بصوت عال، ليهرع إليّ كل من في المنزل، في هذه اللحظة أدركت أنني لا أزال على قيد الحياة.

الجاثوم
الجاثوم

بكيت كثيراً وأنا أحاول شرح ما حدث، لكن محاولتي باءت بالفشل، لكن لحُسن الحظ، فهم والدي ما أردت قوله، وقتها أخبرني أن ما أُصبت به هو الجاثوم أو ما يُعرف باسم شلل النوم.

ويعني أن العقل قد استيقظ قبل الجسد، حينها يكون الشخص واعياً بما يحدث حوله لكنه لا يقدر على القيام بالوظائف التي يقوم بها بشكل معتاد، ويستمر هذا الوضع لثوان معدودة قبل أن يعود الجسم إلى حالته الطبيعية.

لم أستطع في هذه الليلة أن أغفو مرة ثانية، بل ظللت طوال الليل أبحث عن الجاثوم وكيف يحدث، ولماذا يحدث، وكيف أتجنب حدوثه ثانيةً.

وبالرغم من حصولي على كافة الإجابات التي تدور في رأسي، كلما لامس رأسي وسادتي، عاد المشهد ذاته أمامي، فيذهب النوم من عيني إلى أن تُشرق الشمس فأبدأ يوماً جديداً وأنا متعبة وغير قادرة على أداء أي من المهام.

وفي المقابل يراودني الجاثوم في الليالي التي أنام فيها دون أن أشعر، مما كان سبباً في دخولي بنوبة اكتئاب ظهرت آثارها على بشرتي وشعري، فكان كل من يراني يعتقد أنني إما أعاني من مشكلة كبيرة، أو مصابة بمرض خطير.

“هل أنا بذلك الضعف لأخاف من هذا الذي يسمى الجاثوم الذي لا يستمر سوى لثوان قليلة؟ خاصة بعد ما عرفت كل ما يتعلق عنه؟

لا، فما هو إلا حالة مؤقتة تأتي وتمر، لماذا لا أمررها مرور الكرام؟”.

لكن برغم كل ذلك الخوف، كان داخلي صوت يهمس قائلاً: “لا تهربي، بل واجهي”، في هذه الليلة بدأت في الاستعداد للنوم بشكل مختلف، لحظات من التأمل، وسادة مريحة، تنفس عميق، نوم على الجانب الأيمن مع ذكر الله وقراءة آيات الذكر الحكيم، خلدت إلى نوم هاديء ومرت هذه الليلة بسلام، وتبعها عدة ليال على هذه الوتيرة.

وعندما داهمني الجاثوم مرة أخرى، قمت بتهدئة نفسي دون مقاومة وأنا أردد داخلي بثقة: “لا بأس، لحظات وسينتهي كل ذلك، لا داع للخوف، فأنتِ في معية الله الذي يحيي ويميت وإليه النشور” في الحقيقة كان إحساس الخوف هذه المرة أقل، حتى الوقت الذي لم أكن قادرة فيه على الحركة كان أقل من المرات السابقة، أو كأنه كذلك لأنني لم أعد أراه ذلك الشبح المرعب الذي يخنقني بصمته.

لاحظت أن شلل النوم لم يعد يراودني كثيراً، لأنني بدأت أتعامل معه كإشارة يخبرني بها جسدي أنني أحمله فوق طاقته، فأصبحت أرفق به، أمنحه القدر المناسب من النوم العميق، أتوقف عن التفكير مطولاً قبل النوم وكذلك تناول المنبهات الكثيرة على مدار اليوم.

لم يعد الجاثوم يخيفني، بل أعتقد أنني أنا من أخيفه الآن، لذلك غاب عني لوقت طويل، الآن حينما أتذكر المرة الأولى التي زارني فيها، لا أشعر بالذعر، بل بالقوة لأنني استطعت فهم طبيعة جسدي والإشارات التي يرسلها إليّ لأحافظ على صحته، فالجاثوم كان بمثابة البوابة التي عبرت من خلالها نحو مفاهيم أعمق من مجرد الخوف.

الخوف الذي من الممكن أن يسيطر عليك فيقتلك أو تسيطر عليه بقوتك التي قد تكتشفها بمحض الصدفة؛ فتقتله، فتسلح دائماً بالإيمان والسلام النفسي ولأن لبدنك عليك حقاً؛ فامنحه الراحة التي يستحقها واستمع دائماً إلى رسائله، حتى وإن جاءت على هيئة.. جاثوم!

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

مروة جمال أحمد

بالرغم من أنني خريجة قسم الترجمة الإنجليزية إلا أن ذلك لم يحُل بيني وبين عشق اللغة العربية بكافة معانيها، ولذلك فأنا مروة جمال كاتبة المحتوى بمنصة برو عرب.
زر الذهاب إلى الأعلى