إعلان - Advertisement

تعبير عن العمل بين الجهد والطموح

في فيضِ النفسِ التي ترنو إلى العلاءِ، نقتفي أثرَ الحلمِ الذي يسكنُ الوجدانَ، لنبينَ في السطورِ التاليةِ كيفَ يتمازجُ السعيُ المنهكُ مع توقِ الروحِ في موضوع تعبير عن العمل بين الجهد والطموح.

موضوع تعبير عن العمل بين الجهد والطموح

إنَّ في جوفِ الإنسانِ شعلةً لا تخبو، هي ذلكَ الطموحُ الذي يغزلُ من خيوطِ الأماني ثوباً من نورٍ، يحلمُ به المرءُ قبلَ أن يستيقظَ ليواجهَ تفاصيلَ واقعهِ الخشن، والعملُ، في جوهرهِ النبيل، ليس سوى صدىً لهذا الطموحِ، بل هو تجلّيهِ الماديُّ على أرضِ الحقيقة؛ فكم من روحٍ حلقتْ في سماواتِ الخيال، ولم تجدْ لها وطناً تستقرُّ فيه إلا حينَ باشرتْ غرسَ يديها في تربةِ العناءِ والصبر.

إنَّ الطموحَ بلا عملٍ هو طائرٌ بغيرِ أجنحةٍ، والعملَ بلا طموحٍ هو سعيٌ في تيهٍ لا غايةَ له، فإذا ما التقى الاثنانِ في بوتقةِ العزمِ، استحالَ المستحيلُ ممكناً، وصارتْ صخورُ العقباتِ مجردَ درجاتٍ في سلمِ المجدِ العظيم.

حينَ يشرعُ المرءُ في كدحِ يومهِ، فإنه لا يقومُ بمهامٍ روتينيةٍ بقدرِ ما يخطُّ فصولاً من روايةِ وجودهِ الخاص، إنَّ التعبَ الذي يعتصرُ الجسدَ هو في ميزانِ العارفين عرقٌ يغسلُ الصدأَ عن جوهرِ الإرادة، فكلُّ نبضةِ جهدٍ مبذولٍ هي شهادةٌ على أنَّ الإنسانَ لم يرضَ بالبقاءِ في ظلالِ العجز.

إنَّ الروحَ التي تطمحُ إلى القممِ لا تستريحُ في سهولِ الراحة، بل هي كالموجِ الذي لا يكفُّ عن ضربِ الصخور، يدركُ في قرارةِ نفسه أنَّ كلَّ اصطدامٍ هو نحتٌ لمعنىً جديدٍ، وكلَّ تراجعٍ هو استجماعٌ لقوةٍ أشدَّ اندفاعاً، إنَّ العملَ في عينِ صاحبِ الطموحِ هو محرابٌ للعبادة، هو فعلُ تجلٍّ يرى فيه آثارَ يدهِ وقد صارتْ حقائقَ تتنفسُ وتنمو وتؤتي ثمارها.

تلكَ المسافةُ الممتدةُ بينَ ما نرجوهُ وما نبلغهُ هي الميدانُ الحقيقيُّ لاختبارِ صدقنا مع أنفسنا، فالطموحُ ليسَ كلماتٍ نتغنى بها في لحظاتِ السموِّ العاطفي، بل هو رفيقُ الدربِ في ساعاتِ الانكسارِ والضيق، هو الصوتُ الخفيُّ الذي يهمسُ في أذنِ المتعبِ: استمرَّ، فإنَّ الفجرَ لا يولدُ إلا من رحمِ الظلامِ الدامس.

وكما أنَّ النخلةَ العاليةَ لا تبلغُ مداها إلا بجذورٍ ضاربةٍ في عمقِ الأرضِ، فإنَّ الطموحَ لا يشمخُ إلا بجهدٍ يستمدُّ قوتهُ من الثباتِ على المبدأ، والقدرةِ على مواصلةِ السعيِ حينَ يفرُّ الآخرون من وعورةِ الطريقِ ولفحاتِ الرياحِ العاتية.

لا يدركُ لذةَ الوصولِ إلا من تجرعَ مرارةَ المحاولةِ مراراً، ففي طياتِ العملِ الدؤوبِ تكتشفُ النفسُ مكامنَ قوتها التي لم تكنْ تعلمُ بوجودها، وتترقى في مدارجِ الوعيِ حتى يغدو الجهدُ متعةً، ويغدو الطموحُ بوصلةً لا تحيد.

إننا نقفُ اليومَ أمامَ ذواتنا لنسألَ: أيَّ أثرٍ سنتركُ خلفنا حينَ يمرُّ بنا الزمان؟ والجوابُ كامنٌ في هذا المزيجِ الفريدِ بينَ رؤيةٍ تتجاوزُ المدى، وبينَ كدحٍ يحيلُ الرؤيةَ إلى واقعٍ ملموسٍ ينبضُ بالحياةِ، فيكونُ العملُ بذلكَ هو البرهانَ الأوحدَ على أننا كنا هنا، وأننا لم نكنْ مجردَ عابري سبيلٍ في كنفِ هذا الوجودِ الفسيح.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

إسكندر علي

أنا كاتب أؤمن بقوة الكلمة وأهميتها في توصيل الأفكار، أسعى دائماً لتطوير أسلوبي وصياغة محتوى يترك أثراً في القارئ، وأرى الكتابة كوسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر والتأثير بشكل إيجابي على الآخرين.