ثورة 2011: فيلم بائس لو ندري نهايته ما كنا حجزنا تذاكره
لطالما كنت عاشقة للأفلام السينمائية، أبحث عن المشوّق منها ولا أتردد في مشاهدته أينما كان يُعرض، لكن يبدو أن فيلم ثورة 2011 كان لا يستحق المشاهدة.
ثورة 2011: فيلم بائس لو ندري نهايته ما كنا حجزنا تذاكره
بالرغم من برودة شتاء 2011 إلا أن مشاهد ثورة الشعب التونسي ورغبته في القضاء على الفساد حينها كانت تُدفئ قلبي، كنت أود أن أرى هذه اللقطات على أرض الكنانة، يبدو أن مصر الأبيّة سمعت نداء فؤادي واستجابت له، ودون تأخير، فكيف تتأخر بلادي على فتاة في السابعة عشرة من عمرها ترى أن المستقبل بأكمله في انتظارها؟
– أمي، أود الذهاب إلى السينما.
: ألا تشعرين بأن المناخ غير مناسب؟
– أرجوكِ يا أمي، هناك فيلم طالما حلمت برؤيته، أنتظر عرضه بدور السينما منذ زمن بعيد.
: طالما انتظرتِ كثيراً، ما رأيك في التمهُّل حتى يُعرض على شاشة التلفاز؟
– لا يا حبيبتي، لن أطيق الانتظار أكثر من ذلك، أقول لكِ أنتظره منذ زمن بعيد ربما سبعة عشر عاماً إلا قليلاً.
: عن أي فيلم تتحدثين وكيف انتظرتِه هذه السنوات؟ تنتظرينه منذ كنتِ رضيعة؟.
– فيلم 25 يناير.
: 25 يناير؟ لم أسمع به من قبل، لم أر إعلان عرضه بالتلفاز كغيره من الأفلام.
– لم يُعرض له إعلان على شاشة التلفاز أمي، بل على رأيته على تطبيق فيس بوك فقط.
: فيس بوك؟ لا أدري من أين أتى هذا الشيء لتجلسي أمامه بالساعات، فتخرجين مُصرّة على الذهاب خارجاً في هذه الأجواء الممطرة.
وأمام إصراري كالعادة، وافقت أمي على ذهابي لحضور الفيلم المُنتظر، بالرغم من ظهور العديد من علامات الاستفهام على وجهها، والتي لم أُعر أي منها اهتمام وقتها، فعندما أعود وأحكي لأمي قصة هذا الفيلم سيختفي ذلك التعجب بالتأكيد ليتحول إلى فخر، أتمنى ألا يسبقني التلفاز ويسرد لها أحداث الفيلم قبل عودتي.
وصلت إلى السينما قبل موعد العرض بحوالي عشر دقائق، ما هذا الزحام؟ يُخيل لي أن تسعين مليون شخص يودون حضور العرض الأول للفيلم!
وصلت إلى مقعدي، أُطفئت الأنوار، عدا نور عيناي وبريقها الذي أؤمن أنه سيتضاعف عندما تُضاء الأنوار مرة أخرى، بدأ الفيلم بمشهد لميدان التحرير وهو يحتضن مئات من الشباب، هتاف تقشعر له الأبدان: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، أصوات هزت دور العرض، فخالطها هتاف الحاضرين.
ملحمة بانورامية تشهدها مدينة القاهرة، نسمات الهواء الباردة تداعب فتيان وفتيات احترقت أفئدتهم من نار الفساد فأرادوا أن يخمدوها، ظناً منهم أن حبات العرق المتساقطة من جباههم بينما تعلو أصواتهم بهذه الشعارات قادرة على ذلك.
وبدأت الكاميرا في الارتفاع، ما هذه الدائرة السوداء التي تحيط بالميدان؟ إنها قوات الأمن! عصى مرفوعة، خوذ سوداء كظلام الليل الدامس، وأيادٍ تحمل قنابل مسيلة للدموع، وبدلاً من أن يصبح المشهد رمادياً نتيجة احتراق الفساد وتنحي الفاسدين، صار كذلك لإطلاق غاز يُسقط شباب بلادي أرضاً.
صمت غريب سكن دور العرض تبعته دمعات وصوت آهات خافتة، لكن قلبي يؤمن بأن المشهد التالي لن يكون على هذه الوتيرة، فإذا بالكاميرا تنتقل هنا وهناك، أصوات الهتاف تعلو مرة أخرى، تحيط بالدائرة السوداء دائرة من نور تأبى الظلم والعدوان، لا يزال رحم بلادي قادراً على إنجاب المزيد من العقول الواعدة لتمد يدها لمن استقروا بأحضان أرض الميدان إثر استنشاق رائحة الفساد.
حشود تتوافد إلى الميدان، وبالرغم من حلول الليل، إلا أن القمر أبى أن يغادر قاهرة المعز، كما لو أراد هذه الليلة أن يكون شريكاً في النصر المنتظر، بدأ هدوء الفجر يفرض سيطرته قليلاً، أنامل من عاشوا عمراً مديداً على ثرى هذه البلاد مرفوعة تدعو الله أن يحفظ مصر وشعبها، فتيات يطمئنّ بعضهن بعضاً، وطفل ينظر لأبيه الذي يؤكد له أن الغد سيكون أفضل.
أتى الصباح ولكن هذه المرة لم تستيقظ الأبطال على صياح الديك كالعادة، بل على صوت الرصاص!
رصاص الغدر يهاجم ميدان التحرير، محاولات بائسة للهروب، سقوط شاب كتب بدمائه على الأرض كلمة حرية وهو ينظر إلى السماء باسماً كأنما تستقبله الملائكة، وفجأة، أضُيئت الأنوار، إنها الاستراحة… سأتصل بأمي كي أُذكرّها بتناول الدواء الذي حان موعده.
: أمي؟
– أين أنتِ؟
: ماذا بكِ؟ هل تبكين؟
– لماذا لم تُخبريني عن حقيقة الفيلم الذي تشاهدينه؟
: ماذا أقول لكِ؟ أننا أجيال ضائعة تائهة تود فقط أن تحصل على حقها في الحياة، أمي لا تتوقفي عن الدعاء لنا، أرجوكِ، ولا تبكي.
– كيف لا أبكي ومَن نال منهم رصاص الغادرين هم صغار مثلك ومثل أخوتك.
: رحلوا كي نعيش غد أفضل يا أمي، تستقبلهم الآن جنان الرحمن، لا تبكي أرجوكِ، دعائك فقط لذويهم بالصبر والسلوان.
– حسناً، لا تتأخري.
: أمي، لا تنسي تناول الدواء.
– في رعاية الله وأمنه حبيبتي.
عُدت إلى مقعدي بلهفة تفوق المرة الأولى، أنتظر بقية المشاهد التي ستُعلن انتصارنا في النهاية لا محالة، مرة أُخرى أطفئت الأضواء، خرج زعيم الفاسدين عن صمته، وعود وهمية، كلمات معسولة تُخفي ورائها وعيداً، فما كان من حشود الميدان إلا الانفجار كالحمم البركانية يوم جمعة الغضب بهتاف واحد لا يتغير: مش هنمشي، هو يمشي.
ضاقت الأرض بما رحبت على رأس الحية حتى كادت تخنقه، فما كان منه إلا أن أعلن تخليه عن منصب رئاسة الجمهورية، فإذا بزغاريد تملأ المكان، لم أسمعها عبر الشاشة فقط، بل من داخل دور العرض، من المنازل المجاورة أيضاً، هتاف تحيا مصر لم يفارق أذني حتى الآن، راية مصرنا ترفرف، ليس فقط فوق رؤوسنا، بل في قلوبنا، انتصر شعبك يا بلادي، لم يذهب دم أبنائك جُفاءً، يا ليت الفيلم انتهى هنا وبدأ التتر في الظهور.
سرعان ما تبدّلت الأدوار كما لو أن الأبطال لم يكونوا سوى دُمى تحركها أيدٍ خفية حسب أهواء لم تكن في الحسبان، برلمان جديد! تهافت على المقاعد! الوجوه الفاسدة ذاتها ولكن بأقنعة مختلفة تُخفي وراءها ابتسامات ساخرة من المشاهد السابقة، بل ومن عقولنا التي فرحت بها، رائحة فساد تعم مجدداً ولكن هذه المرة من عبوات جديدة تحمل أسماءً تنتهي بلفظ ( ية ) مثل: شرعية، ليبرالية، مدنية، عسكرية….
وعود كاذبة للمرة الثانية، يضحك على إثر سماعها رجل عجوز، يجلس على مقهى يقرأ جريدة مكتوب عليها بالخط العريض: لم ينجُ المسؤولون الجدد من أصابع الاتهام بالفساد، ليقرأه شاب عشريني، فينظر بحسرة إلى الأرض التي لا تزال تحمل آثار دماء شهداء الثورة ليقول: عُدنا إلى نفس الدائرة مجدداً، وصوت هشام الجخ في الخلفية:
لو حد زعلان إني ثورت.. أديني غورت،
بطلت ثورة وبطلت نيلة،
وشلت على راسي التقيلة،
ملناش يا عم نصيب نفرح بخلفتنا،
ما يترضى بالمكتوب،
يا ترضى بالفتنة،
يا دوب شافوني عريس،
نصبوا الطريق متاريس وحاصروا زفتنا،
هنداري ليه؟
هنلف ليه وندور ونداري في الألاعيب؟
الاعتراف مش عيب،
لو كنا ندرى الغيب، لا كنا أندلنا ولا كنا زفّتنا.
كُتبت كلمة النهاية على الشاشة، أُضيئت أنوار السينما للمرة الأخيرة، فانطفأ قلبي قبل عينيّ، أظنه كان يتمنى مشهداً إضافياً يعيد له نبضه، لكن الشاشة أبت إلا أن تعرض التترات، لم أنتظر حتى أقرأها كعادتي، فكل شيء أصبح واضحاً، فيلم سخيف، لا يستحق حتى ثمن تذاكره، لكن لا بأس، فهي تجربة أتعلم منها ألا أشاهد مثل هذه الأفلام مجدداً طالما لا أعرف مَن الذي كتب السيناريو..
عدت إلى منزلي مُثقلة بالخذلان، فإذا بأمي جالسة في ظلام دامس، تسألني عما حدث في الجزء الأخير من الفيلم، فقد انقطعت الكهرباء منذ مكالمتنا…
ابتسمت بمرارة، وقلت لها: انقطع التيار بالسينما أيضاً يا أمي فسألتني: هل تعتقدين أن الكهرباء ستتأخر لتعود؟
أغمضت عيناي وفي حلقي غصة تمنعني من رفع صوتي، فقلت لها همساً: لن تعود.
تم نسخ الرابط





