جيل الثمانينات والتسعينات… هل نحن مظلومون؟
جيل الثمانينات والتسعينات أو ما يعرف بجيل الألفية، هو جيل أنهكته التحديات والمسؤوليات كما لم يحدث مع أي جيل آخر، دعونا نناقشها معاً، لعل هذا المقال يخفف من وطأتها.
من هم جيل الثمانينات والتسعينات؟
نحن جيل الألفية أو كما يطلق علينا بالإنجليزية (Millennials)، نحن الجيل الذي وُلد في مطلع الثمانينات وحتى منتصف التسعينات، نحن آخر من عاش هدوء الحياة وبساطتها قبل أن تغمرنا عاصفة الحياة الرقمية والتقدم التكنولوجي المتسارع، ونحن آخر من تذوق متعة الحياة البطيئة قبل أن يلتهمنا عصر السرعة، وقبل أن يفقد كل شيء مذاقه، ورغم ذلك لا أبالغ حين أقول أننا جيل تعرض لكثير من الظلم والصعوبات التي جعلت الحياة مرهقة وصعبة، مما أجبرنا على السعي بدون توقف لمجاراة ما نشهده من تغيرات هائلة، دعوني أشارككم ما أعنيه بالتفصيل.
هل جيل الثمانينات والتسعينات مظلومون؟
ربما لو تحدثت مع أحد والديك أو أجدادك، لسمعت منهم سيلاً من النكات والتعليقات الساخرة عن كون جيلنا جيلاً مرفهاً، يعيش حياة سهلة، ولديه كل وسائل الراحة والتكنولوجيا، ولا شك أنهم على حق، فنحن -على عكس الأجيال السابقة- نمتلك الكثير من الأجهزة والأدوات المتطورة التي سهلت علينا القيام بمهام الحياة اليومية مثل الغسيل والتنظيف والطبخ وبعض المهام الوظيفية وما إلى ذلك، لكن خلف هذه التسهيلات تختبئ تحديات مرهقة أثقلت كاهلنا، لذا أستطيع أن أقولها بملء فمي “نعم نحن جيل مظلوم”، وإليكم الأسباب التي أراها من وجهة نظري.
جيل الألفية ومعاصرة الحروب
نحن جيل الألفية، جيل عاصر حروباً كبيرة مؤلمة مزقت أوطاننا مثل حرب غزة، وسوريا، والعراق، والسودان، واليمن وغيرها، وقد يقول البعض أن الحروب ليست مستحدثة، فآباءنا وأجدادنا عاصروا حروباً أشد قسوة كالحروب العالمية، والاستنزاف وحرب 48 وغيرها، وهذا صحيح، لكن أؤكد لك عزيزي القارئ أن تجربتنا مختلفة تماماً عن تجربتهم.
فالأجيال السابقة تابعت الحروب من خلال صفحات الجرائد، أو نشرات الأخبار التي كانت تمر مرور الكرام، فأقصى ما كان يصل إليهم عن هذه الحروب هو صورة أو صورتان تعرضا بالتلفاز، أما نحن فنشاهد هذه الحروب صوتاً وصورةً، وبثاً مباشراً دون انقطاع كأننا داخل حلقة النار نفسها، فقد رأينا بأم أعيننا كل طفل استشهد في غزة، وسمعنا صراخ كل أم مكلومة، وكل زوجة ثكلى، وكل رجل استيقظ ليجد عائلته بالكامل قد محت من التاريخ كأنها لم تكن موجودة يوما ما.
فقد كانت شاشات التلفاز والهاتف الذكي بمثابة نوافذ مفتوحة على جحيم الحرب، تنقلها إلينا بأعلى جودة ممكنة للصوت والصورة، كأنها تتعمد أن نعيش الحرب بكل تفاصيلها، وما زاد صعوبة هذه الحروب علينا هو أننا كنا نقف عاجزين لا نستطيع أن نفعل شيئاً لننجي أشقاءنا من هذه الحروب، فكنا نكتفي بالبكاء بحرقة كل يوم.
جيل الألفية وتحديات الدراسة
نحن جيل الألفية كنا خلال سنوات الدراسة الجامعية مضطرين إلى الذهاب إلى المكتبة، وقضاء ساعات في الاطلاع على الكتب والمراجع المكونة من آلاف الصفحات للوصول إلى المعلومة التي نحتاج إليها، وكنا نحمل أوراقاً وأقلاماً لأخذ الملاحظات، وتدوين المعلومات، فقد كان الوصول للمعلومة يستغرق الساعات والأيام، وكنا نشعر بالنصر عند الوصول لما نريد من معلومات، فقد كان نصراً عزيزاً قلما كان يحدث.
ثم وبعد سنوات قليلة معدودة؛ أصبحنا نعيش في عالم مختلف تماماً، باتت فيه المعلومة على بعد ضغطة زر؛ فكل ما علينا فعله للحصول على المعلومات هو أن نسأل الذكاء الاصطناعي عن أي معلومة -علمية كانت أو غير علمية- فنحصل على الإجابة خلال ثوانٍ معدودة، بل وقد تطور الأمر فأصبحنا في غير حاجة للكتابة، وكل ما علينا فعله هو التحدث مع الذكاء الاصطناعي كما نتحدث مع أحد أفراد عائلتنا ليجيب عن كل ما يخطر ببالنا في الحال.
ولم يكن هذا التحول الكبير هيناً أو سهلاً علينا، فنحن نشعر كأننا جيل وقع بين عالمين، عالم البحث الشاق الذي أثقل مهاراتنا وعلمنا الصبر والاجتهاد، وعالم الثورة الرقمية التي لا تترك لنا مجالاً للراحة أو التأمل.
جيل الألفية وتحديات التربية
حين نتحدث عن تربية الأبناء، قلبي يعتصر ألماً مما نواجهه نحن أمهات هذا الزمان من صعوبات وتحديات بالتربية، فنحن نعيش بزمن يجعل التربية مهمة شبه مستحيلة، ففي زمن أمهاتنا كانت التربية مهمة مشتركة بين الأم والأب والأجداد، وحتى التلفاز والشارع كان لهما دور في التوجيه والتربية، وكانا يقومان به على أكمل وجه.
أما اليوم، فقد تغير كل شيء، فأصبح خروج الطفل من باب المنزل كمن يخطو إلى عالم مظلم مجهول موحش مليء بالمخاطر، فالتحرش يهدد أبناءنا في كل مكان بالنادي والمدرسة والشارع، والأخلاقيات السيئة انتشرت، والقدوة الحسنة انعدمت، والأخطر من ذلك هو أن الخطر لم يعد خارج المنزل فقط، بل بات داخل منازلنا، وبين أيدي أطفالنا، فالإنترنت والهواتف الذكية فتحت علينا أبواباً لم تكن موجودة سابقاً، وأحضرت كل فواحش العالم إلي يدي وعقول الأطفال.
إذ يستطيع الطفل بضغطة زر واحدة أن يشاهد كل ما هو مؤذٍ ومحرمٍ وغير مناسبٍ لعمره، مثل الفيديوهات غير اللائقة والعنيفة والمؤذية التي تشوه طفولتهم، فقد كنا نظن أننا نستطيع أن نحمي أبناءنا ما داموا داخل جدران المنزل الدافئة، لكن اكتشفنا أن الخطر صار بين يديهم، ومحاولة حمايتهم منه مهمة صعبة وشبه مستحيلة، فنحن نخوض حرباً صامتة مهلكة أعاننا الله عليها.
جيل الألفية ومعايشة الأمراض والأوبئة
لا شك في أن أجدادنا وآباءنا عاصروا أوبئة خطيرة كالطاعون والملاريا، لكننا جيل الألفية عايشنا تجربة مختلفة تماماً، فنحن جيل جائحة الكورونا، الوباء الذي أوقف العالم أجمع لعدة شهور، ولم تكن صعوبة الكورونا في خطورة الفيروس ذاته، ولكنها كانت في اكتشاف ضعف وهشاشة البشرية أمام عدو غامض غير مرئي يمكنه أن ينتقل عبر قارات، ويصيب دولاً بالكامل بمجرد سفر أحد الأشخاص المصابة بالفيروس إليها.
فقد عشنا تجربة مخيفة ومرعبة، وشهدنا انهيار الأنظمة الصحية بأكبر الدول المتقدمة، وشاهدنا إغلاق المدارس، وتوقف الأعمال بأنواعها المختلفة، وخلو الشوارع من الناس، وتحول المنازل لسجون للعائلات لا يستطيعون مغادرتها بأمر من الحكومات في كل دول العالم.
وهذه الظروف القاسية فجرت تساؤلاً مهماً في أذهاننا؛ هل هذا الفيروس اللعين هو وليد الطبيعة أم من صنع الإنسان؟ فقد ظهرت نظريات المؤامرة التي تبنت فكرة أن هناك مساعي لتقليص عدد البشر عبر أوبئة مصطنعة أو عبر استخدام اللقاحات التي تحمل أخطاراً خفية لا نعرفها.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالعالم يعاني الآن من توحش شديد بالميكروبات والجراثيم، فقد فقدت العديد من مضاداتنا الحيوية قدرتها على مقاومة الميكروبات، فأصبح الطبيب يقف عاجزاً عن علاج أبسط الأمراض المعدية، وهو تطور خطير يهدد حياة البشرية ما لم نعمل بجد لحله.
جيل الألفية والصراع مع القيم والمبادئ
نحن الجيل الذي يعاني صراعاً داخلياً مرهقاَ بين ما نؤمن به من قناعات ومبادئ تربينا عليها، وبين ما نراه حولنا من انفتاح جريء تجاوز كل حدود الأصول والأخلاق، فنحن قد تربينا على خصوصية الأسرة والبيت، وأن غرفة النوم لها قدسيتها التي تمنع أي شخص غريب من دخولها، لنتفاجأ اليوم أن كل شيء أصبح مباحاً وقابلاً للنشر على الملأ في بث مباشر، فأصبحنا نشاهد غرف نوم كل المشاهير مقابل الوصول مشاهدات عالية أو كسب بعض الأموال.
صرنا نرى فيديوهات فضح أسرار البيوت، وفيديوهات المشاكل العائلية، بل وفيديوهات لفتيات يرتدين ملابسهم أمام الكاميرات تحت شعار “تنسيق الملابس” و”Get ready with me”، لا أدري كيف وصلنا إلى هذا الحال من الجرأة وانعدام الحياء.
جيل الألفية واختفاء الوظائف
بقدر ما أفادتنا التكنولوجيا، بقدر ما ضرتنا، فقد بدأت تهدد مستقبلنا الوظيفي، وتستبدلنا وتأخذ مننا وظائفنا تدريجياً، فقد أوشكت عشرات الوظائف على الانقراض مثل الصحافة الورقية، والترجمة والتصميم وغيرها، وحتى وظيفة كتابة المحتوى، فأنا يا عزيزي القارئ ككاتبة محتوى؛ بعد أن وجدت شغفي في هذه الوظيفة، أجد نفسي اليوم في مواجهة واقع مرير، وهو أن ربما خلال أشهر وليس سنوات يتم الاستغناء عني، ويتم استبدالي بالذكاء الاصطناعي.
فأنت يا عزيزي القارئ يمكنك بكل سهولة التوجه للذكاء الاصطناعي؛ وتطلب منه أن يكتب لك مقالاً عن “تحديات جيل الثمانينات والتسعينات”، وسوف يعطيك مقالاً وافياً دقيقاً متقناً، لكني أؤكد لك أن مقال الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى المشاعر، ودفء التجربة، ولن يكون قادراً على الوصول لقلب القراء كما هو الحال مع المقال الذي خرج من جوارح إنسان عاش التجربة بكل تفاصيلها، وتألم بسببها، وصارع كي ينجو منها.
جيل الألفية ومحاولة الحصول على حياة مستقرة
نحن الجيل الذي يعاني للوصول إلى الاستقرار الاجتماعي والنفسي، فنحن مضطرون للعمل لساعات طويلة فقط لتأمين حياة متوسطة بالكاد تكفي لسد احتياجاتنا الأساسية، على عكس آبائنا الذين كانوا يعملون لساعات محدودة -ثماني ساعات باليوم- ويحصلون على دخل يضمن لهم الحياة المستقرة الهادئة، ويعودون إلى منازلهم بعد انتهاء ساعات الدوام للاستمتاع بجو أسري هادئ وممتع ودافئ.
لا أنكر أننا كأجيال حديثة نتحمل جزءاً من أسباب الغلاء وضيق الحال الذي نعيشه، فقد أصبحنا استهلاكيين إلى حدٍ كبير مقارنةً بآبائنا، فآباؤنا كانوا يشترون ما يحتاجونه فقط، وكانوا يستخدمون مقتنياتهم لسنواتٍ حتى تبلى، لكن نحن نغير هواتفنا كل عام، ونتسابق لشراء البراندات وأحدث الإصدارات من الملابس والأحذية حتى ولو لم نكن بحاجة إليها، والسبب وراء ذلك هو مشاهدتنا للحياة الزائفة على السوشيال ميديا، وانتشار التسويق الذكي والإعلانات الجذابة بكل مكان.
أكبر مخاوفي
أتدرون؟ أكبر ما أخشاه اليوم هو مستقبل أبنائنا وأبناء الأجيال القادمة مما سيواجهون في هذا العالم الخالي من الخصوصية والبساطة، هذا العالم الذي تتحكم به الخوارزميات والمحتوى الممول والموجه، هذا العالم الذي أوشكت فيه المبادئ والقيم والأخلاق أن تُمحى، فهم سيكونون في صراع يومي بين ما نحاول أن نزرعه داخلهم من تربية وأخلاق إنسانية، وبين ما يحيط بهم من مغريات وزيف وانفتاح فج.
وختاماً، أتمنى أن تكون مشاعري قد لامست قلوبكم، وأن أكون قد نجحت في التعبير عن جيل كامل يعيش بين حنين الماضي وإرهاق المستقبل.
تم نسخ الرابط





