إعلان - Advertisement

حبيبتي في المخاض وأنا على أعتاب الموت

عندما يداهمك السواد من كل جهة، ويطبق على صدرك، تدرك معنى أن تكون كفيفاً بعينين ترى السواد فقط، هذا ماحدث لي عندما كانت حبيبتي في المخاض.

حبيبتي في المخاض ـ عندما تموت امرأة أثناء الولادة

كانت عيناها تشعان نورًا، وقلبها كسنابل القمح يُفيض عطاءً. وصلت إلى المستشفى بعد منتصف الليل، في ساعة الاستراحة أثناء مناوبتي.

انطلقت صرخاتها تدوي بين الممرات، فاندفعنا من مقاعدنا كالريح نبحث عن صاحب الصوت، رأيتها من بُعدٍ قريب، لكنها في أعماقي كانت بعيدةً كالحلم الذي يلوح في الأفق ولا يُدرك.

بتلك العينين الخضراوين، وثغرها الوردي، وضفائرها السوداء المنسدلة على كتفيها… كانت تبكي بحرقة، وتطلق صرخاتٍ كأنما تخرج من أعماق صدرٍ مُنهك.

أخذتني الدهشة لحظات… كيف ألقاها بعد سنين أكلت من روحي غيابها؟ ثم أيقظني من حيرتي بطنها المنتفخ، فأدركت الحقيقة التي كنت أحاول الهروب منها… حبيبتي في المخاض!

اندفعت نحوها بقلبٍ يعتصره الألم، فوقفت أمامها وتقابلت أعيننا نظرت إليّ بنظرةٍ حافلةٍ بالتساؤلات: كيف تلد بين يديّ من كان حبيبًا ثم صار غريبًا؟ كيف تضع وليدًا بين يديّ من مزّقتُ حياته ذات يوم؟.

أردت أن أهدئ من روعها، لكن الكلمات علقت في حنجرتي، فاكتفيت بإمساك يدها!!
وضعتها على الكرسي المتحرك بينما ترددت أصوات الممرضين حولي يحاولون كبح تلهفي: “دكتور، نحن نستطيع إكمال المهمة، تفضل إلى غرفة العمليات!”.

قلت بنبضٍ شحيح: “دعوني أتولى الأمر بنفسي، هذه المرأة… تخصني.” كان قلبي فقيرًا بالحب، ثريًا بالألم، أمسكت بمقبض الكرسي وهي تتجنب نظراتي، كأنما بيننا جدارٌ من ذكرياتٍ مكسورة.

تنفست عبير شعرها طوال الطريق… تنفست ماضيًا ظننتُه ولّى، تنفست ذكرياتٍ حطمت أضلعي في ليالي الوحدة، وسؤالًا واحدًا ظل يخترق رأسي: “لماذا؟”

لحظة المخاض وانقباضة صدري

أصدرت الأوامر بتهيئة غرفة العمليات، وحملتها بنفسي إلى سرير الولادة ثم سألتها بصوتٍ أجش: “لماذا جئتِ وحدك؟”.

أجابتني بدمعةٍ توقفت على حافة جفنها كأنها ترفض السقوط، فأدركت سذاجة سؤالي أمسكت يدها وهمست: “لا تخافي… كل شيءٍ سيكون بخير… ثقي بي”.

قالت بصوتٍ مرتجف: “طوال عمري، يا محمد، لم أثق بأحد كما وثقت بك، كنتُ خائفةً قبل أن أطأ هذا المكان، ولكن منذ رأيتك سكن روعي، ولم يبق في قلبي إلا سؤالٌ واحد: أيّ حبٍ هذا الذي يجعل قلبك يخفق خوفًا عليّ بعد كل ما فعلت؟”.

تجمعت الكلمات في حلقي كالعاصفة… أردت الصراخ، والبكاء، والتوبيخ… أردت أن أنفث غضبي كالنار، لكنني اكتفيت بتمرير يدي على ضفائرها، ولمس جبينها، وهمست: “أيلول… كم ظل اسمك عالقًا بشفتي طوال هذه السنين”.

كان قلبي ينبض بين ثنايا اسمك كلما حلّ أيلول، وتتدفق الذكريات كأوراق الخريف الذابلة…. لا جواب لديّ… كل الإجابات تموت عند عينيك، ويبقى الحق الوحيد: ما زلت أحبك.

اشتدت انقباضاتها، واشتد معها انقباض قلبي، رغم خبرتي، إلا أن يداي ارتعدتا لأول مرة، حتى أن الممرضين تبادلوا نظرات الاستغراب.

قلت لها: “ادفعي بقوة! أنتِ قادرة، يا رفيقة عمري!”.

لم أسمع همسات الممرضين، لكن نظراتهم كانت تقرأ حالي لا أحد يعلم كم أحيا برؤيتك، وكم أمُوت بفراقك، لا أحد يفهم… صدقيني.

مرّ الوقت ثقيلًا كالجبل، وكل صرخة منها كانت تُذيبني ألمًا كانت تصرخ: “سامحني!” وأنا أتمنى لو أستطيع انتزاع الطفل من أحشائها لتتوقف معاناتها.

تجمع الفريق الطبي حولها، يمسحون جبينها ويشجعونها، لكنها كانت تئن: “لم أعد أستطيع… سامحني، فهذه الحياة التي تخرج مني… هي لك إن كنت تريد شيئاً من عبيري”.

ثم…

انطلق صوت بكاء الطفلة، فحملتها بين يديّ وهي تحمل ملامح أمها… أو ربما كنت أرى أيلول في كل شيء
أدنيتها من صدر أيلول… فإذا بها تغمض عينيها كمن يبحث عن الراحة بعد معركةٍ مريرة.

“أيلول!”.

لا يا نور عيني… لا يا حياة قلبي!

قولي إنها مزحة… قولي إنكِ هنا وسنعيد الزمن!

هيا يا من تسكن روحي، كفاكِ هروبًا… قاومي الموت وأعيدي لي حياتي!

ماتت أيلول… ماتت روحي بعد أن نبضت للحظة.

هذه الطفلة بين ذراعيَّ هي أيلول جديدة… أما التي سكنت قلبي، فقد دفنتها الذكريات تحت ركام الماضي.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

فريال محمود لولك

الكتابة هي السبيل للنجاة من عالمٍ يسوده الظلام، ننقل بها سيل المعلومات لتوسيع مدارك القارئ المعرفية، أنا فريال محمود لولك، من سوريا، خريجة كلية التربية اختصاص معلم صف، وكاتبة منذ نعومة أظفاري، من وحي المعاناة وجدت في الكتابة خلاصي، ورأيت بها نور الله الآمر بالعلم والمعرفة، فاقرأ باسم ربك الذي خلق. فإن القراءة هي الطهارة لعقلك من كل جهل.