إعلان - Advertisement

حب في زمن الحرب جزء 2 ـ الفاجعة الأولى مع الذكرى الأولى

في رواية حب في زمن الحرب تبدأ الفاجعة الأولى، حيث تنكسر القلوب على الذكرى الأولى، ويصبح الألم شاهداً على عشقٍ وُلد بين الخوف والصبر والفقد المر.

حب في زمن الحرب جزء 2 ـ الفاجعة الأولى مع الذكرى الأولى

بدأت القرية تفقد ملامحها المألوفة، لم يكن الضجيج عادياً، ولم تكن أصوات السيارات تشبه تلك التي اعتدناها في الأيام الهادئة؛ كان لكل صوتٍ معنى، ولكل حركةٍ دلالة، وكأن المكان كلّه يستعد لوداعٍ قاسٍ لا يعرف أحدٌ ملامحه الكاملة.

الوجوه في الشارع كانت شاحبة، العيون متعبة، والخطوات متسارعة. أشخاصٌ كُثُر يغادرون بيوتهم على عجل، يحملون بعض الأغراض، ويتركون خلفهم الكثير من الذكريات معلّقةً على الجدران.

اتصالاتٌ هاتفية لا تنقطع، أصواتٌ منخفضة، كلماتٌ مبتورة، وأخبارٌ ثقيلة تتناقلها الألسن دون يقين. كان الخوف سيّد اللحظة، وكان الصمت أحياناً أبلغ من كل الكلام.

في تلك الأثناء، سمعتُ صوت والدتي يناديني بنبرةٍ لم أعهدها من قبل، نبرةٍ تحمل حزماً وخوفاً في آنٍ واحد: اجمعي أغراضكِ، سنغادر.

توقّف الزمن عند هذه الجملة، ارتجف قلبي، وشعرتُ كأن الأرض تميد بي إلى أين سنغادر؟ ولماذا الآن؟ أسئلةٌ كثيرة ازدحمت في رأسي، لكنّ لساني عجز عن النطق كنتُ أعلم، في قرارة نفسي، أن ما يحدث أكبر من قدرتي على الفهم، وأن القادم يحمل في طيّاته ما لا يُطمئن.

سرعان ما بدأت الأخبار تتضح، أو لعلها ازدادت غموضاً، حديثٌ عن خطرٍ وشيك، عن فاجعةٍ قد تطال القرية، وعن ضرورة الإخلاء حفاظاً على الأرواح، لم يكن هناك متّسعٌ للتفكير أو التردّد.
جمعتُ بعض حاجاتي الأساسية بيدين مرتجفتين، وكل قطعةٍ أضعها في الحقيبة كانت تحمل معها ذكرى، أو صورة، أو إحساسًا يصعب تركه خلفي.

غادرنا المنزل بسرعةٍ كبيرة، وكأن الموت يلاحقنا من الخلف، وقفتُ عند العتبة لحظةً قصيرة، وألقيتُ نظرةً أخيرة على البيت.
كان صامتاً، حزيناً، كأنه يدرك أنّ هذا الفراق ليس عادياً، همستُ في داخلي وداعاً، وحملتُ قلبي بكل ما فيه من خوفٍ وحنين، ومضيتُ.

كان الطريق نحو المدينة طويلاً ومثقلاً بالأفكار، مررنا بمعالم أعرفها جيداً، لكنها بدت لي مختلفة، غريبة، كأنها تنتمي إلى زمنٍ آخر.

ونحنُ على الطريق حينَ مررنا بتلك المدرسة الثانوية القديمة، شعرتُ بوخزةٍ في القلب، كم من الذكريات تختبئ في أروقتها؟ كم من الضحكات والأحلام تركناها هناك دون أن نعلم أنها قد لا تعود؟

وسط هذا الاضطراب، كان هناك موعدٌ ينتظرني، لقاءٌ لم يكن يشبه سواه، في أحد شوارع المدينة، وعلى مقربةٍ من المدرسة، كان لقائي الأول به.

ذلك الشاب الذي لم يكن بيننا سوى إعجابٍ صامت، وكلماتٍ متفرقة عبر شاشاتٍ باردة، ورسائل قصيرة لا تحمل من الدفء سوى ما نمنحه لها من نوايانا، لم يكن بيننا وعد، ولا اعتراف صريح، ومع ذلك استطاع، دون أن يدري، أن يزرع في داخلي إحساساً مختلفاً، إحساساً هادئاً ودافئاً في آنٍ واحد، كأن القلب تعرّف عليه قبل أن تلتقي به العين.

حين رأيته للمرّة الأولى، شعرتُ بأن الواقع قد سبق أحلامي، وكأن صورةً طالما رسمتها في مخيلتي قررت فجأة أن تتجسد أمامي، كان حضوره لافتاً دون ضجيج، بسيطاً دون تصنّع، هادئاً بطريقة تجعل المكان من حوله أكثر أتزاناً، وجههُ يحمل ملامح راحةٍ نادرة، وعيناه تشبهان لون الأرض بعد المطر؛ لوناً يوحي بالطمأنينة وبحكاياتٍ لم تُروَ بعد، لم يكن جماله في ملامحه فحسب، بل في طريقته، في سكونه، في تلك الثقة التي تحيط به دون تكلف، ثقة لا تطلب الانتباه لكنها تفرضه.

تقدّم نحوي بخطواتٍ ثابتة، ثم أخرج من خلف ظهره وردةً حمراء، وقدّمها لي بابتسامةٍ صادقة، خالية من أي ادّعاء، في تلك اللحظة، شعرتُ بأن العالم، رغم قسوته، ما زال قادراً على منحنا لحظاتٍ صغيرة من الفرح، لحظاتٍ تشبه الضوء الذي يتسلل من شقٍ ضيّق ليؤكد لنا أن الأمل لا يزال ممكناً.

سرنا معاً نحو الحديقة القريبة، خطواتنا كانت مترددة في البداية، ثم ما لبثت أن انسجمت، كأننا اعتدنا السير جنباً إلى جنب منذ زمن، جلسنا تحت شجرةٍ كبيرة، تحيط بنا ظلالها كأنها تحاول حمايتنا من ضجيج الخارج ومن أسئلة المستقبل التي لم نكن مستعدين لها بعد، كان الهواء لطيفاً، يحمل رائحة القهوة من المقهى القريب، ورائحة العشب الرطب، وكأن المكان تواطأ ليكون شاهداً على تلك اللحظة.

تحدّثنا طويلاً، لم تكن الأحاديث عميقة في ظاهرها، لكنها كانت صادقة، نابعة من القلب، ضحكنا على أشياء بسيطة، شربنا القهوة ببطء، وتشاركنا تفاصيل صغيرة، لكنها كانت كافية لتقريب المسافات بين قلبين لا يعرفان بعد إلى أين يمضيان، وبينما كنّا نتحدّث ونضحك، دون انتباهٍ لما حولنا، حدث أمرٌ بدا وكأنه خرج من حكاية: اقتربت منّا سربٌ من الفراشات، صغيرة وملوّنة، راحت تدور حولنا في حلقاتٍ خفيفة، كأنها تشاركنا لحظتنا، كانت أجنحتها ترتجف برقة، تعكس ضوء الشمس، وتملأ المكان بسحرٍ صامت، توقّفنا عن الكلام للحظة، تبادلنا نظرة دهشة وابتسامة، وكأننا نتساءل بصمت إن كان للصدفة هذا القدر من الجمال.

شعرتُ حينها أن الكون يرسل لنا إشارةً خفيّة، لا تحتاج إلى تفسير، كنتُ أستمع إليه، وأشعر بأنني أعرفه منذ زمن، وكأن بيننا ذاكرة مشتركة لم نعشها بعد، ذاكرة مؤجلة تنتظر لحظتها، لم أكن أعرف إلى أين قد يقودنا هذا الشعور، ولا إن كانت هذه الخطوات الأولى ستكتمل، لكنني كنت أعلم شيئاً واحداً، أن بعض اللقاءات لا تحتاج إلى وعود، يكفي أنها تترك أثراً عميقاً في القلب، أثراً يبقى حيّاً حتى وإن افترقت الطرق لاحقًا.

انتهى اللقاء، وعدتُ إلى المنزل وقلبي مفعمٌ بمشاعر جديدة، لكنّ الواقع لم يمهلني طويلاً، نظرت إليّ والدتي حين رأت الوردة في يدي، وسألتني عن مصدرها.

لم أستطع إخفاء ابتسامتي، ولم أرغب بذلك، أخبرتها عنه، عن لقائنا، عن شعوري الذي لم أجد له اسماً بعد.

انسحبتُ إلى غرفتي، وجلستُ أتأمل الوردة طويلاً، كانت رمزاً بسيطاً، لكنها حملت معنى كبيراً.

تساءلتُ بيني وبين نفسي: هل يمكن للحب أن يولد في مثل هذه الظروف؟ هل يحق لنا أن نحلم، ونحن نعيش على حافة الخوف؟

لم أنتظر الإجابة طويلاً، رسالةٌ قصيرة وصلتني منه، تحمل كلماتٍ صادقة، شعرتُ معها بأن قلبي يخفق بقوة، لم يقل الكثير، لكنه قال ما يكفي ليجعلني ابتسم وسط كل هذا الاضطراب.

توالت الأيام، وتكرّر اللقاء. في المرّة الثانية، كان الحديث أعمق، حدّثني عن حياته، عن معاناته، عن أحلامه المؤجلة، لم يحاول أن يبدو مثالياً، بل كان حقيقياً، وهذا ما جذبني إليه أكثر.

كنتُ أستمع، وأدرك أن ما يعيشه ليس استثناءً، بل صورة عن واقعٍ يعيشه كثيرون.

قال لي بصراحة إنه لا يملك وعوداً سهلة، ولا طرقاً مختصرة، لكنه يملك نية صادقة، واستعداداً للمحاولة.
وحين سألني أن أفكّر بعقلي قبل قلبي، أدركتُ حجم المسؤولية التي يضعها بين يديّ.

صمتَ قليلاً، فوجدتُ نفسي أتحدث دون تردّد، قلتُ له إنني لا أبحث عن الكمال، ولا عن ضماناتٍ مطلقة، قلتُ إن هذا الشعور، رغم بساطته، يمنحني قوةً لم أعرفها من قبل، وإنني مستعدة للسير معه، خطوةً خطوة، مهما كان الطريق طويلاً.

في تلك اللحظة، لم يكن الحب مجرّد إحساسٍ عابر، كان اختياراً في زمنٍ لا يمنحنا الكثير من الخيارات.

وهكذا، وُلد ارتباطٌ صامت بين قلبين، في زمنٍ تعلّم فيه الناس كيف ينجون، لا كيف يحبّون.

كان حبّاً يشبهنا، ناقصاً، خائفاً، لكنه صادق، حبّاً في زمن الحرب.

أكملنا المسير مبتعدين عن المدينة، متجهين نحو مدينةٍ أخرى كانوا يصفونها بأنها أكثر أماناً، وكأن الأمان صار وعداً شفهياً لا دليل عليه. الطريق كان طويلاً، والوجوه صامتة، وكل شيء من حولي يوحي بأننا نهرب لا ننتقل، امتلأت عيناي بالدموع، وشعور الخذلان التهم روحي دون رحمة.

في تلك اللحظة، أدركت أنني أنا من أطفأ شمعة الأمل بيدي، ظننت أن إطفاءها سيحميني من الاحتراق، لكنني لم أكن أعلم أن لهبها الأخير سيحرق أصابعي ويترك أثره في قلبي إلى الأبد.

خيّم السواد على قلبي، ولم أعد أشعر بشيء واضح المعالم، كنت أسير بجسدي فقط، بينما روحي بقيت عالقة هناك، في المكان الذي هُدمت فيه أحلامي دفعةً واحدة، لم أعد أريد العودة، ولا حتى التفكير بالرجوع.

ذلك المكان لم يعد يشبهني، ولم أعد أشبهه خاب ظني بكل شيء، وفقدت الثقة بالكلمات التي قيلت يوماً بحب، ثم سقطت عند أول آمتحان، صرت أؤمن أن بعض الأحلام خُلقت فقط لتُكسر، وأن بعض القلوب لا يُكتب لها سوى الانتظار.

جلست قرب النافذة، أراقب الطريق الممتد أمامنا كخطٍّ لا نهاية له، لم أكن أدرك إن البركان الذي سهرنا سنين على خمدهِ كادَ أن ينفجر.

الأضواء تتباعد، والأشجار تمر مسرعة، كأنها تهرب معنا.
حلّ الليل، وخيّم الظلام على الأرجاء، حتى صرت عاجزة عن التمييز بين العتمة خارج السيارة والعتمة التي استقرّت داخلي، بدأ التعب يثقل جفوني، وغلبني النعاس رغم مقاومتي، كأن النوم جاء قسراً لا اختياراً.

غرقت في حالةٍ غريبة، بين النوم واليقظة، وعدت سنة وبضعة أشهر إلى الوراء، لم تكن ذكرى عابرة، بل استعادة كاملة لتفاصيل ظننت أنها دُفنت، رأيت نفسي كما كنت قبل كل هذا الانكسار، بقلبٍ أخفّ، وصوتٍ أكثر جرأة، ونظرةٍ لم تعرف الشك بعد.

سمعت الضحكات القديمة، ورأيت الوجوه كما كانت قبل أن تغيّرها الحرب، وشعرت للحظة أنني أعيش ذلك الزمن من جديد.

لكن فجأة، انقطع الحلم، استيقظت على شعورٍ غريب لم أختبره من قبل.

كان قلبي يخفق بطريقة غير مألوفة، إحساساً غامضاً يشبه الإنذار.
نظرت حولي، فوجدت الصمت قد أصبح أثقل من المعتاد، والطريق خالياً بشكل مريب، حتى الهواء بدا مختلفاً، وكأن شيئاً ما تغيّر دون أن أراه.

وفي تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان، اهتزّت السيارة فجأة، وتوقفت على نحوٍ مفاجئ، وتبادلت العيون نظراتٍ قلقة.

كان هناك شيء غريب، شيء غير مفهوم، كأن الطريق نفسه قرر أن يفرض حضوره في قصتي.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، وحدسٍ داخلي يهمس بأن هذا التوقف ليس مصادفة، رفعت رأسي نحو النافذة، فرأيت ظلًّا يتحرك في العتمة، ثم اختفى بسرعة، تاركاً خلفه سؤالاً ثقيلاً لا إجابة له.

عندها فقط، أدركت أن ما اعتقدت أنه هروب، لم يكن سوى بداية، وأن هذه الرحلة، التي ظننتها نهاية لكل شيء، كانت تمهيداً لحدثٍ سيغيّر مجرى حياتي بالكامل.
وصلتُ لمنزل خالتي الواقع على سفح جبل مُطلٌ على البحرِ.
ألقيتُ عليهم السلام وبتمتماتٍ متقطعة: سأذهب لغرفتي لأخذ قسطاً من الراحة.
ذهبتُ إلى غرفتي التي صممت في منزل خالتي من أجلي، غرفةٌ ذات جدران من اللون الأزرق كما أُحِبّ، وإطلالتها مباشرةً نحو البحر.
تأملتُ الأمواج ومنها سافرتُ بالأحلام بالعودة إلى سنة الـ 2023.

يُتبع…

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

نسرين أحمد جوخدار

اسمي نسرين أحمد جوخدار، كاتبة قصص قصيرة، أرى بالكتابة أكثر ممّا أرى بعيني، فهي نافذتي إلى العوالم الخفيّة، ومرآتي التي تُظهر ما لا يُقال.