حب في زمن الحرب 4 – الوعود الصادقة
حين تضيق الخيارات وتنكسر الأحلام، يبقى للحب اختبار أخير، حب في زمن الحرب 4 تُظهر الوعود الصادقة كَرِهان أخير على القلوب وسط الخراب والخوف والانتظار.
حب في زمن الحرب 4 – الوعود الصادقة
علبةٌ حمراء صغيرة استقرّت بين يديه، ناولني إياها بابتسامةٍ هادئة، نظرتُ إليه بتعجّبٍ واضح، وسألته بصوتٍ امتزج فيه الفضول بالدهشة: ما هذه العلبة؟
أجابني بنبرةٍ دافئة، تحمل من الحب أكثر مما تحمله الكلمات: هي هدية صغيرة، شعرتُ أنها تُشبهكِ، أو ربما ترمز إليكِ يا فراشتي.
فتحَ العلبة ببطء، وكأنّه يخشى أن يُفزع اللحظة، في داخلها قلادة ذهبية يتوسطها شكل فراشة نيلية اللون، إلى جانب سوارٍ ذهبي يتوسطه الرمز ذاته.
انعكست أشعة الشمس على الذهب، فبدت الفراشة كأنها تنبض بالحياة.
بقيتُ أنظر إليها بصمت، غير قادرة على استيعاب ما أراه، بينما كان قلبي يخفق بإيقاعٍ متسارع.
تابع كلامه وهو يقترب أكثر:
ارفعي شعركِ الجميل، أريد أن أرى كيف سيكون منظر القلادة حين تلامس عنقكِ.
رفعتُ شعري بخجلٍ خفيف، فألبسني القلادة أولاً، ثم السوار، كانت حركاته هادئة، متأنية، كأنه يخشى أن يفسد شيئاً مقدساً، بعدها انحنى قليلاً، وزرع قبلة خفيفة على جبيني، قبلة لا تزال ذاكرتي تحتفظ بإحساسها، بخفّتها وصدقها، كنسيمٍ ربيعي يمرّ بين أوراق الأزهار دون أن يؤذيها.
قال وهو يبتسم: ما أجملكِ يا حبيبتي.
في تلك اللحظة، شعرتُ أنني في ذروة السعادة، كأنني أعيش مشهداً خيالياً من أحلامٍ طالما ظننتُ أنها لن تتحقق راودني شكّ خفي، أردتُ أن أتأكد أن ما أعيشه حقيقي، لا وهماً عابراً، اقتربتُ منه، وضعتُ يديّ على وجهه، ولمستُ وجنتيه، وقلتُ في داخلي: نعم، هو حقيقي، وهذا الواقع الذي تمنّيته طويلاً قد صار أمامي.
كانت لحظة ممتلئة بالطمأنينة، قبل أن يخبرنا الوقت بهدوءٍ قاسٍ أن موعد مغادرتنا البحر قد حان.
نهضنا ببطء، وكلٌّ منا يحمل في داخله شيئاً يريد أن يبقيه أطول مما يسمح به الواقع، وبينما كنتُ ألتفت للمرة الأخيرة نحو البحر، جاءت موجةٌ قوية على حين غفلة، بللت وجهي وثيابي، وانتزعتني من شرودي العميق.
في اللحظة نفسها، اهتزّ هاتفي بوصول رسالة نصية من صديقتي، فتحتها بسرعة، وكانت كلماتها قصيرة لكنها ثقيلة المعنى: الأخبار جيدة، عودي إلى منزلكِ، كل شيء عاد إلى وضعه الطبيعي، وقد زال الخطر عن قريتكِ.
توقفتُ للحظة، أعدتُ قراءة الرسالة أكثر من مرة، ثم رفعتُ رأسي وكأنني أودّع مشهداً كاملاً من حياتي. تبدّلت مشاعري فجأة، بين فرحٍ بالعودة، وحزنٍ خفيّ على انتهاء هذه اللحظة التي مرَّ على ذكرها سنوات.
ذهبتُ مسرعةً إلى بيت خالتي، أخبرتهم بما وصلني، وبدأتُ بتجهيز أغراضي للعودة إلى منزلي.
وبينما كنتُ أطوي ثيابي، لمستُ القلادة حول عنقي، فابتسمتُ بصمت.
أدركتُ حينها أن بعض الذكريات، مهما قصرت، تبقى معنا طويلاً، وترافقنا حتى في أكثر الطرق وعورة.
حلَّ صباح يوم السبت، في السابع من كانون الأول مثقلاً بهدوءٍ غريب لا يُشبه الصباحات المعتادة.
استيقظنا باكراً، تجهّزنا على عجل، وكأننا نخشى أن يُغيّر الوقت رأيه فيسمح لنا بالبقاء أكثر، ودّعنا خالتي بكلماتٍ مقتضبة، محمّلة بدعواتٍ صامتة، ثم استقللنا وسيلة نقل متجهة نحو مدينتي.
طوال الطريق، كان رأسي مزدحماً بالأسئلة، هل ستعود الأوضاع كما كانت سابقاً؟ هل يمكن لما انكسر أن يُرمم؟ أم أن ما مررنا به سيترك أثره الدائم في كل تفصيل؟ حاولتُ جاهدَة أن أُساير نفسي، أن أزرع أفكاراً إيجابية داخل قلبي، كما اعتدتُ دائماً، فمن يعرفني حق المعرفة، مُدركٌ كم أنني فتاة مرِحة، إيجابية، مُحبّة للحياة، أرى النور حتى في أكثر الزوايا المظلمة.
غير أن ذلك الصباح كان مختلفاً، كان في داخلي شيء ثقيل، نقطة سوداء صغيرة، لكنها قادرة على نشر القلق في قلبي، لم أكن مطمئنة تماماً، وكان هذا الإحساس يُلازمني رغم محاولاتي المستمرة لتجاهله.
وصلنا إلى المدينة، وكان علينا أن نستقل وسيلة نقل أخرى للوصول إلى القرية، وبينما كنتُ أُحدّق من نافذة السيارة، لفت انتباهي باص نقل داخلي لونه أخضر.
توقفتُ عنده بدهشة فباصات النقل في مدينتي معروفة بلونها الأبيض، بدا المشهد بسيطاً في ظاهره، لكنه حرّك داخلي شيئاً خفياً ابتسمتُ دون قصد، وعادت بي الذاكرة إلى الماضي، إلى لحظاتٍ لم تكن بعيدة، لكنها بدت وكأنها تنتمي إلى زمنٍ آخر.
“حين جاءَ موعد مغادرتنا البحر في تلك الأيام السابقة، أمسك بيدي بحذر، خوفاً من أن أتعثر بأي حجرٍ على الطريق مرة أخرى، صعدنا الطريق المليء برمل الشاطئ ببطء، وكانت خطواتنا متزامنة، كأننا نخشى أن نسبق الزمن أو نتأخر عنه، وما إن وصلنا إلى الشارع الرئيسي، حتى أسرعنا نحو باص النقل، إذ كان الأخير الذي سيعبر في تلك الفترة من الظهيرة.
صعدنا إلى الباص، ولم يكن هناك أي مقعد شاغر، وقفنا في مقدّمته، بجانب النافذة.
انطلق الباص بسرعةٍ كبيرة، وأذكر أنه أمسك بي فوراً، وكأنه أراد أن يوصل لي رسالة إنهُ سيحميني من كل ما قد يحدث حتى لو كانت أحداث كبيرة أو صغيرة، وأنتَ عزيزي القارئ من المؤكد أنكَ تعلم كمية الحوادث في الباصات كثيرة لا تُحصى، والخوف منها حاضراً في الأذهان دائماً.
وقفتُ أمامه، وعيناي تلتقيان بعينيه مباشرة، كان الحب يفيض من نظراتنا، بلا تكلّف أو تصنّع وفي تلك اللحظة، كنتُ على يقينٍ تام أن أي شخصٍ يرانا، سيدرك حجم المشاعر التي تجمعنا.
لم يخطر ببالي حينها سوى كلمات أغنية سمعتها قبل وقتٍ قريب، بدأتُ أُهمس بها دون وعي، وهو يبتسم وينظر إليّ، وكأنني أعظم انتصاراته في هذه الحياة.
نعم، كُلاً منا يستحق أن يُنظر إليهِ بعين الفخر وكأنهُ أعظم إنجاز.
كان ذلك الشعور صافياً نادراً لا يشبه أي شيء آخر، وصلنا إلى جانب الحديقة، وقرّرنا أن نأخذ استراحة قصيرة ونتناول الطعام، كان يعلم جيداً أنني لا أحب الأماكن المغلقة، فأنا ابنة الشمس، أعشق الطبيعة، أجد نفسي بين الجبال والبحر، وأهوى الغيوم، لا تجذبني المطاعم ولا تغريني المظاهر، عندما تحدثنا عن هذهِ النقطة المختلفة، قال لي بعض الكلمات التي مازالت تمرّ أمامي كأنها تُقال لي في هذهِ اللحظة: أنتِ مختلفة، مميزة، لا تشبهين أحداً، ولا أحد يستطيع أن يصل لرقتكِ.
عاد ذاك المشهد إلى ذهني بقوة إلا إنَ ملامحهُ بدأت تتلاشي مع اقتراب وصول السيارة التي ستنقلنا إلى القرية أنا وعائلتي، قريتي لا تبعد عن المدينة سوى خمس دقائق، حتى إننا نستطيع القول إنها أصبحت حيًّا من أحياء المدينة حيثُ إنَ أبنية القرية أصبحت في طريقها للالتصاق مع أبنية المدينة وفي تلك الدقائق القليلة، حدث موقف بسيط، كشف الكثير من الأشياء المخفية في ظل الأحداث المتوترة لربما البعض يراه من منظوره الشخصي بسيط إلا أنَ من سيشعر بهذا الكلام الطبقة الفقيرة قبل وصولنا إلى المنزل طلب سائق السيارة الأجرة وأضاف إليها ألف ليرة فوق التعرفة المعتادة.
ألف ليرة في سنة 2023 لم تكن قليلة على من يحصل أمواله بالتعب والشقاء، أنا كنتُ حينها طالبة عاطلة عن العمل لكن أعلم جلياً إنَ عائلتي كانت تشقى كثيراً، ربما كان من الممكن أن أصمت إلا أنَ حزنَ الفتاة التي كانت تجلس في المقعد المقابل لنظري جعلني أنفعل لم أستطعْ أن أغضّ بصري أو أتجاهل الأمر، كنتُ على دراية كبيرة أن حزن الفتاة لأنها لا تملك سِوى سعر تكلفة الأجرة الحقيقة فكرتُ أن أقدم المساعدة وأدفع التكلفة عنها لكن عزّة نفسها كانت ترفض أي مساعدة، وقتها لم أتقبّل فكرة سلب الحقوق أو استغلال الناس، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها.
تساءلتُ في داخلي: أين الرحمة؟ أين الإنسانية؟
أذكرُ وقتها خاطبته مباشرةً بلهجة حادة شديدة القسوة لِمَ هذه الزيادة؟ ما المناسبة؟
ساد صمت قصير في السيارة، وتحولت الأنظار نحوي، أقسمُ لم أكن أبحث عن لفت الانتباه، إلا أنَ صاحب السيارة تفاجأ ونظر إليَّ وعلى وجههِ ملامح الصدمة بدأ بالتبريرات المعتادة المحروقات ارتفع سعرها….. ألخ.
طبعاً أنا بقيت على نفس الحالة غاضبة جوابهُ غير مُقنع، حاولَ التحدث إلا أنني قاطعتهُ قائلةً: السبب معروف لكن هذا الظلم الذي يعيشهُ الناس بسبب حججكم سينقلب عليكم يوماً ما.
بدأ يصرخ قائلاً: لا أريد الأجرة احتفظي بها وكلمات كثيرة لم أفهمها فهذا الشخص كثير الكلام وسريع بالتحدث لدرجة لا تستطيع أن تفهم كل الكلام.
وصلنا إلى المنزل، كانت أرجاء القرية هادئة على غير العادة الجميع داخل بيوتهم، والحركة قليلة، دخان المدافئ يتصاعد لدرجة يكاد يغطي السماء، محوّلاً لون غيومها البيضاء إلى رمادي قاتم، بدا المشهد كعبرةٍ صامتة، وكأن السماء تقول إن الحزن سيخيّم، وأن أياماً صعبة بانتظارنا.
لن آنسى مهما حييت سبعة أيام من أصعب الأيام التي عشتها لأول أحملُ في قلبي خذلان كبير حزنٌ لا يوصف، تتلاشت ذرة الأمل التي حاولتُ قصارى جهدي التمسك بها شعور الإحباط كانَ كبير، دخلتُ غرفتي، أغلقتُ الباب، واستلقيتُ على فراشي، ومن دون وعي وجدتُ نفسي أمسك الهاتف واتصل بصديقتي المقرّبة نتالي.
نتالي لم تكن يوماً مجرد صديقة، أو زميلة دراسة، نتالي هي هدية الله لي منذُ عام 2019، في بداية مرحلتي الجامعية ألتقيت بفتاة طيبة، صادقة، قضينا أوقات طويلة سويةً كنا نضحك ونحزن سوا معها كنتُ أستطيع أن أكون على طبيعتي دون خوف أو أي تصنع، أثق بها ثقةً كاملة، كانت تشعر بكل ما يجري داخلي من دون أن أتحدث في كل مرة كنت احتاجها كانت تأتي وتبقى بجانبي، كانت ومازالت سنداً حقيقياً.
قلت لها بصوتٍ متعب: مرحباً يا نتالي… أنا حائرة، متعبة، ولا أطيق هذه الحالة.
أجابتني بهدوءٍ تعرفه جيداً: أعلم ما تشعرين به يا جميلتي، وأعلم المعاناة التي مررتِ بها، لطالما كنتِ تلك الفراشة المرحة، ولم أتوقع أن تستسلمي بهذه السرعة.
أعلم أن هذا الوقت صعب، لكنكِ أقوى من كل شيء، هذا الوقت سيمضي، كما مضت أوقات أصعب، تذكّري كم موقفاً قاسياً واجهتِه، وخرجتِ منه أقوى.
كانت كلماتها بسيطة، لكنها وصلت إلى قلبي مباشرة. بعد انتهاء الاتصال، شعرتُ بأنني أفضل قليلاً بعد أن تحدثنا.
أنهت الحديث وهي توصيني بأن أعتني بنفسي، طلبت أن أخلد للنوم وارتاح قليلاً وأن أتوقف عن التفكير.
وضعتُ الهاتف جانباً ونظرتُ إلى أرجاء الغرفة، قررتُ أن أسمع نصيحة صديقتي وأغفو قليلاً لأرتاح، أغمضتُ عينيّ، وأنا أعلم أن القادم لن يكون سهلاً، لطالما كنتُ أثق بإحساسي إلا أنني توسلت كثيراً أن يكون شعوري مخطئ.
أغمضتُ عيني وبدأت استرجع ذكرياتي القديمة التي قضيتها في اللاذقية….
يُتبع….
تم نسخ الرابط





