إعلان - Advertisement

حب في زمن الحرب 5 ـ الرحلة الطويلة

في حب في زمن الحرب 5 نرافق شخصيات أنهكتها الخسارة، تسير في رحلة طويلة، تبحث عن معنى النجاة، وتختبر الحب كفعل مقاومة صامتة وسط خراب لا يرحم.

حب في زمن الحرب 5 ـ الرحلة الطويلة

كانت حياتي الجامعية في بدايتها تشبه استراحة طويلة منحني إياها الزمن قبل أن يطالبني بثمنها كاملاً.
لم أكن أعلم آنذاك أن تلك الأيام الهادئة، المليئة بالضحكات والوجوه المألوفة، ليست سوى مقدّمة رقيقة لقصة أكثر تعقيداً، وأن الفرح الذي عشناه لم يكن ضعفاً، بل كان آخر أشكال المقاومة قبل أن يبدأ كل شيء بالانهيار.

كانت الجامعة بالنسبة لي وطناً صغيراً مؤقتاً، مساحة أمان أهرب إليها من ضجيج الأخبار، ومن الأسئلة الثقيلة التي كانت تتسلّل إلى بيوتنا دون استئذان.
كل صباح، كنت أعبر بوابتها وأنا أشعر بأنني أتنفّس هواءً مختلفاً، أقل اختناقاً من هواء الخارج.

رفقاتي كنّ جزءاً أساسياً من هذا العالم، كنّا نلتقي في الممرات قبل المحاضرات، نضحك بصوتٍ عالٍ دون خوف، نشتكي من ضغط الدراسة ثم ننساه بعد دقائق، كنّا نخلق الفرح من أشياء بسيطة: فنجان قهوة، صورة جماعية، حديث عابر يتحوّل إلى ضحك طويل.
كأننا كنا نعلم، في مكانٍ ما داخلنا، أن هذه اللحظات لن تدوم، فتمسّكنا بها بكل ما أوتينا من خفّة.

أما السكن الجامعي هو الوجه الآخر لهذه الحياة، أكثر قرباً، وأكثر صدقاً.
هناك، سقطت الرسميّات وبقيت التفاصيل الصغيرة التي تصنع الذكريات، غرفٌ ضيّقة جمعتنا على اختلاف طباعنا، أسرّة متقاربة، خزائن بالكاد تتّسع، لكن قلوبنا كانت أوسع من كل ذلك.
تعلّمنا كيف نعيش معاً، كيف نشارك الصمت كما نشارك الضحك، وكيف نصنع من الفوضى ألفة.

وفي المساء، كانت الغرفة تتحوّل إلى عالمٍ مصغّر، أحاديث طويلة قبل النوم، اعترافات تُقال بصوتٍ خافت كي لا يسمعنا أحد، ضحكات مكتومة تحت الأغطية، وشكاوى متكرّرة من تعب اليوم، تنتهي دائماً بجملة: “بكرا أحسن”، كنّا نعلّق آمالنا على الغد بسهولة، كأن المستقبل كان قريباً ومضموناً.

كانت هناك لحظات بسيطة لكنها عالقة في الذاكرة: تحضير الطعام معاً رغم بساطته، تبادل الملابس، ليالي الامتحانات حين تسهر واحدة وتغفو أخرى، وحين ننجح جميعاً أو نفشل معاً، بلا أحكام ولا قسوة.

كان السكن الجامعي بالنسبة لي مساحة نتعلّم فيها الاعتماد على بعضنا، ونختبر معنى المشاركة الحقيقية حتى في الأيام الصعبة، كنا بعد كل يوم طويل مليء بالتعب نغلق الأبواب ونحاول قتل المشاعر السلبية، نرفع صوت الموسيقى قليلاً، نضحك أكثر مما يجب، لأننا نرفض أن ننهزم باكراً فنحن أشخاص منفعلين.
كان الفرح، كما أدرك الآن، فعلاً واعياً، ومحاولة أخيرة لحماية أنفسنا من الانكسار.

اليوم، حين أعود بذاكرتي إلى تلك المرحلة، لا أتذكّر فقط المكان، بل الشعور.
شعور الانتماء المؤقت، الأمان الهش، واليقين الخفي بأننا كنّا نعيش أياماً لن تتكرّر.

كل يوم مغامرة جديدة ومشاعر متجددة، وأذكرُ في أحد المرات قامت الجامعة احتفالاً بعيد الطالب السوري ذلك اليوم الذي بدا وكأنه احتفال بالحياة نفسها، لا بالطلاب فقط.
منذ الصباح، تغيّر وجه الجامعة، الأعلام تزيّن الساحات، الموسيقى تتسلّل إلى القاعات، والوجوه تحمل ابتسامة لا تشبه ابتسامات الأيام العادية.
كان هناك شيء في الهواء، شيء يشبه الفخر، يشبه الإصرار، يشبه أننا نقول للعالم: ما زلنا هنا.

الكثير من الطلاب تحضر للغناء لتقديم مسرحيات لإلقاء شعر، حضرَ الكثير من الشخصيات التي كانت تُعتبر من أهم الشخصيات في الجامعة، شاركنا في الاحتفال ضحكنا حتى التعب، التقطنا الصور بلا حساب، رقصنا بلا خوف من الغد.
أتذكر كيف وقفتُ أراقب المشهد من بعيد، شعرتُ يومها بأنني أنتمي، بأن لي مكاناً، وبأن هذا الفرح ليس مؤقتاً… أو هكذا أقنعتُ نفسي.

قال لي يومها أحدهم، ونحن نقف وسط الضجيج:احفظي هاليوم… رح نحتاجه بعدين.

ضحكتُ، ولم أسأله عمّا يقصده.

بعد ذلك، بدأت الحياة تُغيّر نبرتها بهدوء..

لم يحدث شيء صاخب في البداية، فقط تغيّرت التفاصيل، صار الحديث عن المستقبل أقل يقيناً، وصارت الخطط تُقال بحذر.
ثم جاء اليوم الذي أخبرني فيه أنه سينتقل إلى الكلية.
هذهِ الكلية لم تكن كلية دراسة، كانت أكاديمية للتدريب ليقدم سنة خدمتهُ الألزامية.

ففي تلكَ السنوات كان الشباب في بلدي ملزمين بخدمة الوطن لكن لكل أحد وضع مختلف، ومن حسن الحظ إنَّ شريكي مهندس فلم يكن مجبراً على الخدمة أكثر من سنة.

تحدّث عن الأمر وكأنه خطوة طبيعية، ضرورية.
وأنا كعادتي، اخترت أن أكون داعمة، شجّعته، أخفيت ارتباكي، وتصرّفت كما لو أن المسافة مجرّد رقم على الخريطة.
لكن في داخلي، كنت أشعر بأن شيئاً يتراجع خطوة إلى الوراء.

قضينا أوقات كثيرة سويةً لمحاولة زرع الكثير من اللحظات لتكون سنداً في وقت غيابه.

وعندما حانَ يوم رحيله، لم أبكِ، كنت هادئة أكثر مما ينبغي.
ودّعته بابتسامة حاولت أن تكون طبيعية، وراقبته وهو يبتعد، لم أدرك أن الوجع الحقيقي لا يأتي لحظة الفراق، بل في اليوم التالي… حين تذهب إلى المكان ذاته، وتكتشف أن كل شيء تغيّر لأن شخصاً واحداً غاب.

أذكرُ إن حياتي انقلبت رأساً على عقب، أيامي اختلفت وحتى مشاعري تحولت لغضب كبير، و وقتي في الجامعة بعد رحيله لم يعد كما كان، الممرات أطول، المقاعد أبرد، والضحكات من حولي بعيدة.
كنت أجلس في المكان الذي جلسنا بهِ عندما زارني في الجامعة، أفتح دفتري، أنظر إلى السبورة، وأدرك أن الكلمات تمرّ دون أن تصل.

بدأت أتعلّم نوعاً جديداً من الصمت، الصمت الذي لا يلاحظه أحد، كنت أضحك مع أصدقائي، أشاركهم أحاديثهم، ثم أعود إلى وحدتي وكأنني أخلع قناعاً ثقيلاً.
ليالٍ طويلة قضيتها أحدّق في سقف الغرفة، أستعيد تفاصيل صغيرة: نبرة صوته، طريقته في النظر، لحظات لم أكن أعلم أنها ستكون بهذا الثقل لاحقاً.

ومع ذلك، رفضتُ أن أسمح للغياب بأن يقتل الشوق داخلي، تمسّكت به كشيء حيّ، كأنني إن تركته يبهت، سأخسر آخر ما يربطني بما كنّا عليه، وفي صباحٍ هادئ، اتخذت قراراً مفاجئاً: سأذهب إليه.

الرحلة كانت طويلة، ومربكة، ومليئة بالمواقف الطريفة.
ضعتُ أكثر من مرة، ركبت وسيلة نقل خاطئة، جلست بجانب غرباء لم يتوقفوا عن الحديث.
في لحظةٍ ما، ضحكتُ على نفسي بصوتٍ عالٍ، رغم التوتر شعرتُ أن الطريق كله يختبر إصراري.

حين وصلت إلى كليته، توقفتُ أمام البوابة للحظة تنفّستُ بعمق، ثم دخلت.
لم أره فوراً جلستُ أراقب الوجوه، والوقت يمرّ ببطء ثم رأيته كان كما هو، لكن لا يخلو الأمر من بعض التغيرات.

كان ذلك اللقاء بسيطاً، صادقاً، كافياً، ضحكنا، تحدثنا، تجاهلنا الوقت كانَ كل تفصيل أشبه بمغامرة، ذلك اليوم لم ينهِ الغياب، لكنه جعله محتمَلاً.

لكن ما لم يكن محتمَلاً… هو ما بدأ يحدث بعدها.

قررتُ أن أتابع مسيرة حياتي وأنا أطور من مهاراتي، سجلتُ في كورس التدقيق اللغوي، وتلونت حياتي بمعرفة أصدقاء جدد، حاولت الخروج من حالتي النفسية بعد الغياب الكبير لكن كانَ للقدر رأي آخر.

الأخبار بدأت تتكاثر، في البداية كانت عناوين عابرة، أحاديث جانبية، رسائل قصيرة ثم تغيّرت النبرة.

صار القلق أوضح، والصمت أثقل في الجامعة، خفّت الأنشطة، وتأجّلت الفعاليات، الوجوه لم تعد كما كانت.

لم تكن الحرب قد بدأت بعد، لكنها كانت تُعلن عن نفسها بظلّها، الناس تترقّب، تحاول أن تعيش ونحن، كنّا نعيش بداية الانكسار دون أن ندركه.

كنت أعود إلى المنزل، أجلس مع عائلتي، نتابع الأخبار بصمت، لا أحد يتكلم كثيراً، لكن الجميع يشعر بالأمر ذاته شعرتُ بأن البلاد كلها تحبس أنفاسها.

وفي تلك الأيام، صار النوم ملاذي الوحيد، كنت أغفو وأنا أحمل كل شيء في داخلي: الجامعة، الحب، الغياب، الخوف غير المعلن، وفي إحدى الليالي، حلمت.

رأيتُ الجامعة كما كانت في البداية الضحكات عالية، يوم الطالب يعود، الوجوه مألوفة رأيته يقف هناك، يلوّح لي اقتربتُ، مددتُ يدي…

رنّ الهاتف.

استيقظتُ بفزع، الغرفة مظلمة قلبي يخفق بعنف الهاتف يضيء رسالة واردة تردّدتُ في القراءة، لكن تشجعتُ.

جملة واحدة فقط: سقط النظام.

جلستُ في مكاني لم أعرف إن كنت ما زلت أحلم، أم أنني استيقظ نظرتُ حولي كل شيء في مكانه، لكن لا شيء بدا كما كان.

شعرتُ بأن الحلم لم ينتهِ… بل انتقل إلى الواقع.

وبقي السؤال معلّقاً، بلا إجابة: هل استيقظتُ فعلاً؟ أم أن ما نعيشه الآن هو الحلم الذي لن نستيقظ منه؟

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

نسرين أحمد جوخدار

اسمي نسرين أحمد جوخدار، كاتبة قصص قصيرة، أرى بالكتابة أكثر ممّا أرى بعيني، فهي نافذتي إلى العوالم الخفيّة، ومرآتي التي تُظهر ما لا يُقال.
زر الذهاب إلى الأعلى