رواية حب في زمن الحرب
في عالمٍ تمزقه البنادق، تولد رواية حب في زمن الحرب، حيث يصبح القلب ساحة معركة، ويغدو العشق فعل مقاومة أخير للإنسان وسط الخوف والانتظار والخذلان والرجاء الصامت.
رواية حب في زمن الحرب
هذه الرواية مستمدة من أحداثٍ حقيقية، كُتبت بصدقٍ لا يعرف التزييف، وتحمل عنوان حبّ في زمن الحرب؛ لأن ما عاشته القلوب فيها لم يكن مجرّد عاطفة، بل امتحاناً للإنسانية وسط الخراب، ومحاولة للتشبث بالحياة في زمنٍ كان الحب فيه فعل شجاعة.
قلبُها ممتلئٌ بالإيمان، مثقلٌ بالصبر، متوشّحٌ بالعزيمة، وقويٌّ رغم ما يعتريه من تعب.
عيناها لا تعرفان النوم، ففي حبٍّ وُلد في زمن الحرب يصبح السهر صلاةً إضافية، ويغدو التعلّق بالآخر مقاومة لا ضعفاً.
كانت تتمتم بدعاءٍ خرج من أعماقها، فحلّق مع أنفاسها حتى بلغ السماء السابعة: يا رب، أستودعك إيّاه في هذا الزمن القاسي، فكن له الحافظ والحامي.
لا تجعلني أكمل طريقي من دون حبّه، ففي حبّنا هذا، الذي نما بين أصوات القذائف وصمت الخوف، معنىً للحياة لا يعلمه سواك.
أنت وحدك تعلم ما في قلبي، وتعلم أن هذا الحب ليس هروباً من الحرب، بل نجاةٌ منها.
كانت تؤمن أن حبّاً في زمن الحرب ليس حكاية عابرة، بل قدرٌ يُكتب بالصبر، ويُحمى بالدعاء، ويكبر رغم الركام.
وبين الخوف والرجاء، سلّمت أمرها لله، ومضت واثقةً أن ما كُتب لها سيصل، ولو سار طويلاً عبر الدخان والانتظار.
مضى اليوم الأول، وهي لا تفعل شيئاً سوى الدعاء.
كل حركة حولها كانت مزعجة، حتى صوت الرياح الخافتة، وتناثر الأوراق على الأرض، وكأن كل شيء يذكّرها بأنه لا أمان في العالم، جلست قرب النافذة، تتأمل الضوء الذي يتسلل بخجل عبر الزجاج، يرقص على الأرضيات الخشبية الباردة، وكأنها تبحث عن إشارة من السماء تقول لها: “لا تقلقي، هو بخير”.
كانت تدرك أنّ قلبها أصبح بمثابة بوصلة تهتز بين الرجاء والخوف، كل دقة كانت تقيس شدة حبها، وكل نفس كان مقياساً لشجاعتها، التي بالكاد تستطيع أن تحافظ عليها، ومع كل صلاة، كانت تتحدث مع الله بصوتٍ خافت، وكأنها تخاطب شخصًا غائبًا لكنه حاضر في كل لحظة، تطلب منه الحماية، وتستودعه كل شيء عنه، من روحه وجسده وحتى خطواته القادمة.
مرّ اليوم الثاني، ثم الثالث، والحالة ذاتها لم تتبدّل، لم يكن الوقت يمر، كان كأنه متجمّد، كل ثانية تتأرجح بين صبرٍ مؤلم، وقلقٍ يزداد حدّة، كلما حاولت التوقف عن التفكير، عاد العقل ليطرح الأسئلة: لماذا هو؟ لماذا الآن؟ هل سيبقى بخير؟
وفي اليوم الرابع، تغيّر كل شيء فجأة.
رنّ الهاتف، فارتجف قلبها قبل يدها، وتقطعت أنفاسها للحظة قصيرة، كان الصوت على الطرف الآخر هادئاً، لكنه حمل خبراً كفيلاً بأن يقلب كيانها كله رأساً على عقب: قُرّةَ عينيكِ يا ابنتي، لقد أُصيب، لكن جروحه سطحية، وهو بخير، لا تقلقي، كوني قويّة، فهو سيأتي إلى مكان سكنكِ، وعليكِ أن تكوني سنداً له وتهتمي بهِ.
انتهت المكالمة، لكن صداها ظل يتردّد داخل صدرها كالموجة التي تتقاذف صخور الشاطئ.
ارتجف جسدها بلا إرادة، وكان قلبها ينبض بقوة كأنّه يريد الخروج من بين أضلاعها، فيما بدت الصدمة واضحة على ملامحها، الخوف تسلّل إلى أعماقها، وبدأ حوار داخلي عنيف بين العقل والقلب:
العقل: هل فارقني؟
القلب: لا تقل هذا، هو بخير… لا تتشاءم.
لحظة إدراكٍ سريعة قطعت ذلك الحوار العبثي، كأنّ وعيها عاد إليها فجأة، مدت يدها تبحث عن هاتفها، ترتجف أصابعها وهي تفتّش عن اسمه، لم يكن يهمّها شيء سوى أن تسمع صوته، أن تتأكد بنفسها أنّه ما زال هنا، يتنفّس، يتكلّم، ويبتسم.
اتصلت، وحين جاءها صوته، انهارت كل الأسئلة دفعة واحدة: حبيبي، أين أنت؟ أرجوك قل لي الحقيقة، هل أنت بخير؟ أنا خائفة…
لم تمنح نفسها فرصة لإكمال كلامها، فقد قاطعها صوته الهادئ، الخفيف على القلب، كدواءٍ سكن روحها قبل أن يصل جسدها: أنا بخير، لا تقلقي سأأتي إليكِ خلال ساعات، وستتأكدين بنفسك، ثقي بي، لا أريد أن أراكِ ضعيفة.
أغلقت الهاتف، وبقي صدى كلماته يتردّد في أذنها، كل ثانية كانت كجسرٍ بين خوفها وأملها، تحركت يميناً وشمالاً، وضعت يدها على قلبها مرات عدة، شعرت أن العالم بأسره صار يختزل في هذه المكالمة الواحدة.
مرت الساعات ببطء قاتل، حتى أقبل الليل، عند الساعة التاسعة والنصف، كانت القرية الصغيرة تغرق في أجواء شتوية ثقيلة، أمطار خفيفة تتساقط على الأسطح، وضباب كثيف يغطي البيوت، يمنع الرؤية، كأنّ المكان كله يشاركها قلقها وترقّبها.
وصلتها رسالة نصية قصيرة، كلماتها كانت بسيطة، لكنها أشعلت قلبها: لقد وصلت، أنا في منزل قريبتي في الحارة المجاورة، أنا بخير يا عزيزتي، لا تقلقي، ولا أريدكِ أن تخرجي في هذا الوقت المتأخر، نلتقي في صباح الغد.
لم تكمل قراءة الرسالة، كانت الكلمات الأولى كافية لأن تشعل قلبها وتدفعها للتحرك بسرعة، كأنها تطير فوق الأرض.
خرجت مسرعة، تركض باتجاه المنزل الذي وصل إليه، تكاد أنفاسها تنقطع، والمطر يبلّل وجهها، لكنها لم تشعر بالبرد، كل ما أرادته هو رؤيته، الاطمئنان عليه، التأكد بعينيها أنّه ما زال واقفاً، حيّاً، يتنفس.
تزاحمت الأفكار في رأسها، وتدفقت الأسئلة بلا رحمة: لماذا هو؟ لماذا يجب أن يكون هو الضحية، رغم أنه شاب متعلم، لم يحمل في حياته سوى أحلامه الصغيرة، ولم يكن جزءاً من هذا الصراع؟ كان التفكير يؤلمها، وتكاد دموعها تنهمر من شدة الانفعال، لكنها أوقفتها، حاولت أن تبقى قوية، كما طلب منها صوتها الداخلي.
طرقت الباب بقوة، دون وعي، كأنّ عقلها غادرها تماماً، ولم يبقَ منها سوى قلبٍ يركض فقط، ألقت التحية بسرعة على صاحبة المنزل، استأذنت ودخلت الغرفة.
رأته…
وقت اللقاء
تجمّدت في مكانها، والدموع وقفت على حافة عينيها، ترفض السقوط احتراماً لقوته، نظر إليها مبتسمًا، رغم التعب، وقال بصوتٍ واثق: أنتِ تملكين شاباً قوياً كالجبل، شجاعاً لا يُهزم.
أرادت أن تحتضنه، أن تلمس جراحه، أن تخفف عنه الألم، لكن المكان كان مزدحماً بالناس الذين جاؤوا للاطمئنان عليه.
ففي قريتي، كان الحزن جماعياً، كما الفرح، وكان الناس يتشاركون الوجع كما يتشاركون الخبز.
دارت الأحاديث عن الحرب، عن الصراعات، عن المؤامرات، عن الحقّ والباطل، عن الخيانة التي تنخر البلاد من الداخل.
أما هي فكانت غارقة في شرودٍ عميق، لا تسمع شيئاً سوى صوت قلبها، المتشبث به، المتأمل فيه، المتألم لجلده.
كانت تنظر إلى وجهه، إلى ملامحه الجميلة التي أرهقها السهر، وشحوبها الناتج عن قلة النوم والغذاء، ورغم ذلك، بقي ثابتاً، يتحدث بشجاعة، وابتسامته لا تفارقه، كأنّه يرفض أن يمنح الحرب أي انتصار على روحه.
تمنّت في تلك اللحظة لو تستطيع أخذه بعيداً، بعيداً جداً عن كل هذا الضجيج.
تخيّلته معها في مكانٍ آخر: جبلٍ عالٍ، كوخ خشبي صغير، مدفأة حطب، كوب شاي دافئ، بعض الطعام البسيط، وهما فقط… بلا حرب، بلا خوف، بلا أخبار.
لكن إلى أين؟ العالم كلّه كان غابة مفتوحة، والبشر ينهش بعضهم بعضاً، والأمان صار ذكرى بعيدة.
مرّ الوقت، واقتربت منه، وهمست بصوتٍ مكسور: تأخر الوقت يا عزيزي، ويجب أن تخلد للنوم وتأخذ قسطاً من الراحة، سأغادر… اعتنِ بنفسك.
ابتسم تلك الابتسامة ذاتها، وقال: سُررت بلقائكِ، أنا بخير… لا تخافي، فحبيبكِ رجلٌ قوي.
ودّعته بابتسامة منكّسة، تخفي خوف الغد.
أراك لاحقاً، أنا بجانبك، وسأبقى قريبة دائماً، إن احتجت أي شيء، اتصل بي.
خرجت، وقلبها بقي هناك، بين يديه، بين ابتسامته، بين صوته الذي بقي يرن في أذنيها.
مرت ساعات الليل بصعوبة، ثقيلة على القلوب كما لو كانت تختبر صبرها وقلبها.
الأفق لم يعرف سكوناً، والظلام امتدّ كستارٍ كثيف على البيوت والأزقة، إلا من ضوء القمر الباهت الذي كان يترنح بين الغيوم. كانت هي جالسة قرب النافذة، يديها مطويتان على صدرها، عينان تراقبان خيوط الليل كما لو كانت تنتظر إشارات. كل ساعة كانت تمر عليها كقرنٍ من الزمن، وكل دقيقة كانت تختبر قوتها على الصمود.
مع بزوغ أول خيوط الشمس، شعرت ببرودة كانون وهي تجرح بشرتها، فالهواء ما زال متجمّداً، والرطوبة تلتصق بالملابس. تارةً ترى الشمس مختبئة وراء الغيوم الرمادية، وتارةً تسطع بقوة خفيفة، كما لو كانت تهمس لكل من يعيش في هذه القرية: “أعلم أن قلوبكم مثقلة بالحزن، ولكن لا تيأسوا… رغم كل هذا الضيق، ستفرج الأمور، وسينقشع الحزن، وستشرق شمس السعادة”.
لكن السؤال ظل يطرق عقلها: متى؟
هذه الساعات الصباحية الأولى لم تكن كغيرها، فقد حملت معها شعوراً غريباً، كأن العالم بأسره يتهدّد بكابوسٍ قادم، لم تشعر بأي شيء حقيقي في البداية، وكأنها لا تزال عالقة بين النوم واليقظة، قالت لنفسها: ربما كل ما أعيشه الآن مجرد كابوس مرير، ربما أنا لا أزال الفتاة الصغيرة التي كانت في السابعة من عمرها، تلعب تحت شجرة السنديان، وتغرق في نومٍ عميق بعد ساعات من اللعب والضحك… وكأن كل ما جرى منذ أيام كان مجرد أحلام غريبة زرعت في عقل فتاة صغيرة تحب اختراع القصص.
لكن الواقع لم يكن كابوساً عابراً، بدأت الرسائل تتقاطر على الهاتف، واحدة تلو الأخرى، وكل واحدة كفيلة بأن تصدم قلبها.
أول رسالة وصلت من أحد الأقارب: “وصلتنا أنباء… استشهد فلان… في الجبهة…”، لم تكاد تصدق، رفعت رأسها تبحث عن شيء يعيد إليها شعورها بالاستقرار، شيء يشير إلى أن الأخبار ليست حقيقة، لكن لا شيء كان هناك، سوى الصمت المتخم بالدموع.
كانت الضيعة كلها على خبر الاستشهاد، تنتشر الرسائل كالنار في الهشيم، كل بيت أصبح معلّماً بالحزن، كل شارع يعرف أن الموت لم يترك أحداً دون أن يلمسه.
شعرت وكأن الأرض انقلبت تحت قدميها، وكأن الهواء نفسه أصبح ثقيلاً، يكاد يقطع النفس.
جلست على حافة السرير، وجهها مخضب بالدموع، لكن عينها لم تفقد التركيز على النافذة، كأنها تحاول أن ترى أي أثر للحياة، أي بصيص أمل يلوح في السماء الرمادية، حاولت استعادة الصبر، حاولت أن تتذكر دعواتها الماضية، وتحمل شعوراً بأن الحياة قد تمنحها فرصة للتشبث.
حضرت نفسها وذهبت للاطمئنان عن شريكها، لتجد الضيعة كلها واقفة على خبر الاستشهاد، والدخان الرمادي يتصاعد من بعض المنازل، والنساء يتجمعن في الساحات، يبكين بصوتٍ واحد، والأطفال يركضون بلا وعي، يلتقطون الأخبار كما لو كانت ألعاباً، لكنه ألعاب مؤلمة جداً.
وقفت فجأة، شعرت بالدوار، وكأن العالم كله أصبح من حولها دوامة من الألم، كل خطوة كانت ثقيلة، كل نفس كان كالسكاكين التي تخترق صدرها، وكأن هذا الحزن الشديد تجاوز قدرة أي إنسان على تحمّله.
كانت تمر بجانب البيوت، كل جدار يهمس بالحزن، وكل باب يفتح على عائلة فقدت شخصاً وفجأة، رأت وجوهًا تعرفها… دموعهم تكشف حقيقة الخبر، لم يعد هناك مجال للشك فقد استشهد، وقد خسرته الضيعة كلها، وأصبحت الذكرى الوحيدة عنه هي الصدى الذي يتركه في القلوب.
جلست على عتبة أحد البيوت، رأسها مطأطأ، والدموع تنهمر على وجهها، لكنها لم تخرج صرخة واحدة، شعرت بأن الدموع لا تكفي لتسليها، وأن قلبها محاصر بين الألم واليأس.
كانت تتذكر صوته، ابتسامته، كلماته الأخيرة، وتصرخ في صمت: لماذا؟ لماذا كان يجب أن يحدث هذا؟
حاولت أن تتشبث بأي شيء، أي شعاع صغير من الأمل.
أكملت مسيرها وقبل أن تصل إلى منزل قريبة حبيبها، اتصلت بأختها حتى تأتي هي وزوجها ليكون هذا اللقاء الأول بين العائلة والشريك، اجتمعوا و حاولوا أن يتخطوا الحادثة بأحاديث خارج الحروب والصراعات وكانت الضحكات تتناثر بسبب طفلٍ صغير صنعَ جواً لطيف بصوت كلامهِ الأولي…
مرت الساعات والأحاديث كثيرة لا تنتهي ودعتهُ قبلَ مغادرته القرية وحاولت أن أبقى قوية بعد أن طابت جروحه.
مضى بسلامٍ، وفي اليوم الثاني حلت الكارثة…
كلامٌ كثير فوضى كبيرة وصوتٌ واحد زلزلَ القلوب…
يُتبع…
تم نسخ الرابط





