قصة ردع العدوان: حين أزهر الرصاص كرامة
على عهد النصر مَشينا، نحكي قصص الألم السوري وننبّش عن الحرية من خيوط الشمس، قصة ردع العدوان الجزء الأخير.
قصة ردع العدوان: عندما بَزغت شمس الحرية
واقعة الكيماوي – 21 أغسطس 2013
اختنقت السطور وجفّ مِداد القلم. لم يكن صيحات طفولة ولا نحيب الثكالى وحدهما ما يُذيب القلب كما الجليد المنصهر. بل كانت تلك الدية التي يدفعها أصحاب القضية من أرواحهم.
رفعتُ رأسي عن الكُتيب الصغير، كان ملاذي الوحيد للخلاص من الشعور بالذنب. إنه أشبه بضيفٍ ثقيل يُطبق على صدري.
تأملت نوافذ غرفتي فرأيتها تَغرقُ بالغبار المتكدس. لأنني تركتها منذّ أن تُركنا على رصيف ذاك التاريخ الأسود.
فتكدّس الغبار على النوافذ، والرماد تجمّع على صدري. نفضت قليله لأُفسح مجالًا لنارٍ تأججت بعد أن سَرق الكيماوي أنفاسًا صغيرة وحال بينه وبين سنين الطفولة.
تلك المجزرة وعلى الرغم من أنها واحدة من ألاف المجازر، إلا أنها أودت بحياة قلبي. شعرتُ حينها أنه قد وارى الثرى وهو ينبض!
ينبض للإذعان بأن الجسد حي لا أكثر.
ذرفتُ دموعي على دمشق، بكيتُ ياسمينها إذ قُطف قبل أن يُينع. بكيتُ ضمائر وئِدَت حيّة. والسلطة تعبر فوق المدنيين بخطىً وئيدة.
بكيتُ عروة وأبي وأمي، وضحايا خانعينَ.
لكنني أذكر تمامًا أنني خجلتُ من حزني على عروة؛ إذ أن المسرح الدمشقي يعبث بقهرك ويستطرد مستهزئًا بطرافة وسخافة ألمك أمام الأهوال التي نشهدها كل يوم.
فتقف على المسرح لتسمع مونولوج المتألمينَ، تجد أن بَطل كل قصة شَهِد حدثًا يُثنيك عن الظنّ بأن ألمك أكبر. لتسدل حينها الستارة أثناء عرضك وتتحول لقنفذ يُخبئ جسده الهزيل لعلمه أن الخارج أعنف وأقسى مما هو داخله.
إن كُنتُ قد فقدت أخي الذي قُبض عليه في الأزقة القريبة من المظاهرة. وقُتل في سجون الطاغية، فإن غيري يبكي على أخٍ واثنين وثلاث وعائلة بأكملها. لذا ياصغيرة: “أسدلي ضفائرك كما تُسدل الستارة على النافذة، وابتعدي عن صخب القصف”. قلتُ لنفسي.
“هنا في دمشق، رائحة الموت أقوى من رائحة الياسمين!. جميعنا ياصغيرة أبطال على المسرح الدمشقي، لذا لا داعي للشكوى. فإن الله وحده السامع المجيب”.
“يا دمشقُ، ما لَكِ لا تَصْرُخِينَ؟ والجَدْبُ كالسمِّ أصابَ أرضَكِ والأنامَ.
يا حبَّذا لو ضَحِكَ قاسيون،ُ وبكَت الأرضُ من صَبابةٍ،
تحنُّ لِغِبْطةٍ تنتشلُها من جوفِ ليلٍ حالِك.
بَرى القهرُ أطرافَ المدينةِ، والقَلْبُ الشَّبِمُ يتلذذُ بالسُّقْمِ.
ومن ثنايا هذا وذاكَ وقفنا فاغِرِي الأفواهِ، مشدوهي الحالِ،
نُنادي يا سوري!
والصدى… خَوَّانٌ”.
عامٌ بعد المَرار
تلك الجذوة التي اتقدت بفعل الأذى، لم تَخمد. بل أنها كانت تَحرق كل شيء تباعًا، تمرر كفّ نارها من الضلوع حتى العقل والجسد والأفكار. تارةٌ نجد الذكريات زاخرة بالأسى، والحنين يُلّوع القلب أكثر.
وتارة أخرى نغرفُ من الصبر بضعًا ونلتهمه حتى يقف في الحلق فتعلق الغصة هناك، لا تجد لها مخرجًا!.
أذكر تمامًا أن أخي الثاني “أحمد” كان ينظر لوالدي نظرة تُشعل شرارها رجفة اليد تلك، فتتجمر وكأن خمودها رفاهية وترف تترفع عنه تلك المقلتين اللتين تعكسان صور اللحظات المنسية الخائبة.
ضحكاته هو وأخي عروة، لعبهم. ودفاع الكبير عنه في كل الأوقات التي خانته فيها عضلات جسده.
تذكر ماكان يقوله له: “دائمًا أنا هنا يا أحمد. لا تنسَ أن لكَ أخًا تشدّ عضدك فيه”.
فانفجر أحمد باكيًا، فاستبدل حُمرة المقلة المتحجرة ببعض الرطوبة التي أطفأت قليلًا من نيران القسوة.
بينما كنا نتجهّز للرحيل بحثًا عن هجرة ولجوء يُنقذنا من فيضان الألم. بدأنا بتوضيب الأمتعة وبعض الذكرى، وحفنة من التراب الدمشقي الذي قبضنا عليه براحة القلب لا الكف.
مَشينا ونحن نرمي من فوق أكتافنا بضع نظرات أخيرة، على ذلك المنزل الذي خبّأ ذكرياتنا، طفولتنا، بكاؤنا، مواجعنا.
ألقيتُ على ما تبقى من جدرانه المُصابة بفعل الشظايا، وداعًا يليق بما عشناه بين تلك الجدران.
وفي الطريق… لم أعتقد أننا سنترك شيىءٌ آخر امتلكناه. وكأن هذه الأرض أبت إلا أن تسلب منّا كل شيء، حتى نعيش فراغًا يُشعرنا بأننا ماعدنا بشر، بل مجرد مخلوقات هلامية مطاطية قابلة للطي والعجن والدّك.
صاح أحمد: “أكملوا المسير ولا تنظروا للخلف. سامحوني، ستكون رحلتكم ناقصة رغمًا عني… لن أعود يا أبي… والله لن أعود إلا وحقُّ أخي معي!”.
فغرت أمي فاهها وتحجّرت مقلتيها مشدوهة، تُريد أن تصرخ ولكن ثمن الصرخة في الطرقات التي يختبئ بين كوّات أبنيتها مَن يترصد لكل روح حتى يُزهقها، جعل صراخها أبكم… وأنين قلبها أعلى.
عاد أخي أدراجه، حامًلا على كتفيه ثِقل العهد، عازمًا على أن يعود به وقد أتمّه، ليرمي حينها جعبة العهد ويمنح أبي إيصال الحق!.
“سلامٌ عليكِ سوريتي، سلامي على جميعِ الخُلَّانِ، ولا سلامَ على حاقدٍ ينتشي من صرخةِ العبادِ.
سيأتي اليومُ الذي تميلُ به كفَّةُ الميزانِ، بالقِسْطاسِ ينالُ الجاحدُ الحاقدُ جزاءَهُ،
والصابرُ المُلَوَّعُ يعودُ مُنتصرًا من وعدِ الله بأن يُوَفَّى الصابرون أجرَهم بغيرِ حسابٍ”.
مَضت الأيام تباعًا.. تتكرر متشابهة، ذات الوجوه. ذات التفاصيل والأحداث. سواي!
ماعدتُ أنا كما عهدت نفسي… كُنت ازداد حنقًا، أذوب كلما قرأت حاجة أبي من رعشة يده. كل شيء كان ثقيلًا، لا طعم ولون ولا حتى نكهة له. كل شي منطفئ وباهت… وأنا أشدّهم انطفاءً.
غربة الروح 2025 – 2024
على سجادة الصلاة، وضعت أمي جبينها تتضرع لله، داخل تلك الغرفة الواسعة ذات الطلاء الأبيض. والأرضية الخشبية التي تَحمل رائحة الغربة الكريهة. رغم ما أحب من رائحة الخشب.
جلبتُ الدواء لأبي، ويَده ترتجف كأنها تُلقي أسئلة، أفضل إجاباتها الصمت. كانت غُرفته أشبه بكوّة فارغة من كل شيء سوى الأدوية!.
مسكنات، محاليل معلقة، سرير أبيض بأغطية بيضاء لا يلّونها سوى جسده الهزيل ووقار شيبته.
يُرسل نظرات في الفراغ كأنه يُلقي تعويذة، أو صلاة مكتومة ينتفض تضرعه فيها حين يرتعش جسده.
كنتُ أجلس عند قدميه، أراقبُ يده التي ترتعش كعصفورٍ أصابه البرد، وأدركُ تماماً أن خلف ذلك الوجه “الجامد” كالقناع، تدورُ أعاصير من الكلام.
كنتُ أقرأ في عينيه عتاباً لبلادٍ منحتنا الأمان وسلبتنا “الألفة”.
مرةً سألته ونحن نراقب الثلج يغطي النافذة الغريبة: “بماذا تفكر يا أبي؟”. لم يجب بلسانه، لكنّ رعشة يده تسارعت، واغرورقت عيناه بلمعةٍ فهمتُها فوراً؛ كان يفكر في مفتاح بيتنا الذي تركه في جيب معطفه القديم، وفي شجرة الليمون التي جفّت يقيناً في غيابنا.
كان يسترجع شريط أحلامه، بأن يهيئ لكل ولد من أولاده مستقبلًا يليق بهم.
أدركتُ حينها أن مرض “باركنسون” ليس مجرد ارتجاف، بل هو صراعٌ يومي بين عقلٍ يريد الوثوب نحو الشام، وجسدٍ ثقيل تكبله الأدوية والمسافات.
هو يسمعنا، يحلل خيباتنا، ويشعر بوخز الكيماوي في صدره مع كل نشرة أخبار تسترجع ذكرى المرار، لكنه يكتفي بإرسال رسائله المشفرة عبر قبضته التي تحاول الإمساك بلاشيء.
كُنت أمارس حياتي كزاهدة لا تأبه لحلم بعد أن تركت حلمه مدفونًا في أزقة دمشق وعلى أعتاب الرحيل، خارت قواها وتعلّقت كما اللبلاب على أطراف المدينة.
بقيتُ أتأمل حرية تفجّر الأغلال التي قيدت عنقي مثلما قيّدت حرية أخي وراء القضبان. أترنح جيئةً وذهابًا كمن يُضرب بالسوط حتى يكمل مسيره.
“يتربص بي القهر، ويتلكأ عن الانقضاض، ينتظر أن يلفحني شعور الظلم أكثر.
لا يَدْرَأُ عني خطره، ولا أنا قادرة على الانتفاض في وجهه،
إن القهر يأكلني يا أخي في الهوية والمواطنة!.
ينهش ما تبقى مني… ويوقظ إنسانيتي التي رضعناها سوياً.
نحن ضحايا جميعنا… جعلونا دَرِيئَةً لأطماعهم وحاكوا لنا ثوبَ العفافِ.
ثمّ هذّبوا أطرافه ليتلائم مع كذبة قمع مايهدد سيادة الدولة!.
جدباء أرضكم، وتعانون من سلطانٍ عَتٍّ،
لديكم الآن حق الانتفاضة في وجه الطاغي المُختال،
حرّروا أنفسكم من قيد الجشعان… وقمع الذياب،
لقد طال عهد طغيانه وسلطانه عليكم فانذروا أولادكم لفك القيد والأغلال”.
صوت أفكاري ومناجاتي لإخوتي السوريين كان عبارة عن صدى يرتد فلا يسمعه أحد.
هذا التفجّر وزخم الأفكار والهلوسات. جعلني أدرك حينها أن الأمر ليس نسيان، بل إنه مجرد تناسٍ.
وبعد مَضي عدة أشهر، تحديدًا في شهر ديسمبر. بدأت الشمس في كبد السماء تُشرق من جديد!
وكأن السحاب التي اغرورقت بالمطر تبددت، فاح عبير الياسمين من جديد حتى شممته بأنَفي وكأنني داخل حدود دمشق.
لم أدرك السبب. لكني والله شعرته وكأنني في محراب القداسة أسمع تكبيرات النصر وهي تملأ المدى.
نظرت لوجه أمي المشرق بنور الإيمان؛ رأيت ثغرها يطلق ابتسامة دون أن تباعد شفتيها!.
ـ “هل هناك خطبٌ ما يا أمي؟”. قلت.
ـ “صغيرتي، لقد حان الوقت… إنني أشمُّ رائحة أخاك تعرج إلي كما وصل ليعقوب ريح يوسف”. قالت أمي.
ما الذي تقصده تلك المرأة المباركة؟. أيُّ يقين هذا الذي يجعلها تطلق كلمات أقربها للحلم من الواقع؟.
تبدد كل سؤال عندما وقعت أنظارنا على نشرة الأخبار، قُرى في ريف حلب الغربي تتحرر وترتدي ثوبها الأخضر، اكتساح كبير لجنود الله لتوثيق عهد النصر.
هنيهات وكانت القرى واحدة تلو الأخرى تُبدل تُرابها وأرضها الجرداء باللون الأخضر، كل لحظة كانت نقطة فاصلة في تاريخ السوريين، ما هي إلا سويعات لم تتعدَ اليوم الواحد وقد أصبحت حلب كلّها خضراء!.
صرخت أمي: “الله أكبر، الله أكبر! ربِّ كن لهم عونًا وانصرهم نصرًا يليق بما قاسوه هم وجميع المظلومين من كلّ الأطياف السورية”.
ارتجف قلبي، قبضت عليه ببناني، قبضت على دمعي كذلك. لم أتمالك نفسي فأجهشت بالبكاء، لربما كنت أخشى أن يتوقف الأمر عند هذا الحد خصوصًا أن الطيران بدأ يمارس مهامه في التحليق ورشق الأبنية بالـ …
لا أقوى على قولها… اعذروني. إذ جفّ لساني من شدة حرارة تلك الكلمة.
بدأ العد التنازلي… يوم… اثنان… ثلاثة… حتى الحادي عشر!
ارتفعت الزغاريد: “الله أكبر. سقط الطاغية، سورية حرة”.
كلمات يكاد المرء من فَرط قوتها لا يصدق، تلعثمتِ الحروفُ في حضرةِ المشهد، فلا العبارةُ تُسعفني ولا الصمتُ يكفيني.
…….
رنّ هاتف أمي، في الخلفية كان صوت أخي ينادي بأعلى صوته: “يا أمي، عروة الآن سعيد يا أمي، عروة الآن قبض على حقّه. يا ميمه، سيرقد أخي هانئ البال. سيكون قبره روضة وروحه مرتاحة. تحررنا يا أمي لقد سقط من أنهك أكتافنا من وحشة الليالي الزاخرة بأمطار المدفعيات والقصف العشوائي. سقط من أودى بحياة شبابنا ورفع نعوتها مجاهرًا بالمعصية ومتفاخرًا. عُدنا يا أمي لنمسك بأيادي المظلومين ونأخذهم لبر الأمان”.
“أمي: قولي شيء… بالله عليكِ!”.
خرجت زغرودة من أمي صدح رنينها في أرجاء المنزل… كان البكاء أبلغ لغة للسعادة، لم نَكن على قدر الوعي لاستقبال الخبر وتصديقه. كأنها حالة انفصال الوعي عن الجسد، والانتفاضة الخاصة بأطرافك من فَرط ماحمل بذاكرته من وجعٍ مكبوت.
*سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ
وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ”
(أحمد شوقي).
يادمشق. كَم عصفت بكِ الرّيح؟
تُراكِ بهية كما عهدتك، أم أن الجَدب نَخَر أبوابك. فما عادت سوى حُطام. يُلقي قصص العاشقين والأحرار، ودعوةُ فَمٍ كَلِم، ما عرف إن كان يرثي ويدعي لقلبه المجروح أم روحه.
تلك الأرض التي ترعرعنا في كنفها. حمّلتنا وِزر ما خلّفته في دواخلنا!
وصار الرحيل عنها أمرًا مستحيلًا، كلّما اندفعنا له. أبت إلا أن تصفع أبوابها في وجوهنا.
لتعجز الروح حينها عن الرحيل، رغم ما فعله الجسد من رحيل.
دفنتُ رأسي في حضن أبي، بَكيتهُ والجوع للبكاء كان كبيرُ
قلتُ: “لن ندمع بعد اليوم يا أبي، لن نبكي سوى من فرح ياحبيبي.
إن شَهيدك الآن قد عاد حقّه، بأن يجزى المجرمون بما فعلت أياديهم.
لم تحِل دمائه ماء. بل إنها سَقَت تراب الأرض لتحيل خضراء بعد جدبٍ.
قم يا أبي…. سنعودُ حيث جئنا
وهذه المرة العودُ هنا غير خائب
اليوم عودنا بالنصر معقود… فـ انهض يا أبي… انهض ياحبيبي”.
وضبّنا متاعنا على عجل، لم نذرف دمعة واحدة على جدران المنزل أو شوارع الاغتراب التي مَشينا عليها.
رغم أن الأماكن تُخلف ذكرى توقظ الشوق والحنين بك كلما مررت منها. لكن يبدو أن الغربة لم تُخلف فينا سوى شعور العجز والعيش على أطلال ذكرى دمشق ولا شيء سواها.
“الساعة الآن السادسة وثمانِ عشر دقيقة… دمشق من دون بشار الأسد”.
وصلنا على عتبة الألم الأولى، على أرض الطهارة
خَطت أقدامنا خُطاها في توجل… تترنح بين سعادة وحزن.
حزنٌ على هذا الركام… على تَصدع البنيان، على وجوه العامة التي حملت بين خطوطها الضاحكة ابتسامات منسية.
وفي عيونهم اختبأ الأمل ولمع بريقه مذّ أن عادت دمشق.
رأيتُ أمي تُكثر من الحمد. بينما كنا نمضي حيثُ دارنا، وترمي من على كاهلها ثِقل الغربة وجعبة التهجير و ذخيرة الخوف.
تستشعر في حضرة المشهد تَضرعًا لله ووعده بأن يوفى الصابرين أجرهم.
تمرّ مرورًا لينًا كأنها عشرينية في أوج شبابها، وتبحث عن صغيرها البطل “أحمد” لتقبّل يديه ورأسه…
وصلنا حيث دارنا… لَم نرَ منه سوى الركام
حين وقفنا أمام ما كان يوماً “بيتاً”، وجدنا جثثاً من حجارة. كانت الرائحة مزيجاً من غبار قديم وياسمين بريّ أصرّ أن ينبت بين الشقوق.
انحنيتُ ألملم بقايا حياتنا؛ وجدتُ ملعقةً معوجة، وقطعة من ثوب أمي المطرز، وكتاباً مدرسياً لعروة تآكلت أطرافه بفعل الحريق.
لم يكن الركام صامتاً، بل كان يهمسُ بقصصنا. هنا في هذه الزاوية، سقط عروة مغشياً عليه من الضحك يوماً، وهنا في ذلك الممر، أخذ أبي أول جرعة من خبر الرحيل.
أدركتُ أننا لم نعد لبيتنا، بل عدنا لترميم هويتنا التي تبعثرت كشظايا القصف.
كانت أمي تلمسُ الحجر المحروق وتسمّي بالله، كأنها تمسح على رأس طفلٍ جريح. في تلك اللحظة، فهمتُ أن النصر ليس في سقوط الطاغية فحسب، بل في قدرتنا على العودة إلى “خرابنا” وإلباسه ثوب الحياة من جديد كما كانت تحيكُ أمي لنا ملابسنا الصوفية الشتوية، وفي قرارنا بأن نجعل من هذا الرماد سماداً لياسمينٍ لن يجرؤ أحدٌ على قطفه مجدداً.
لمحتُ وجه دميتي … خيوطها التي رتقتُها يوماً كانت كما هي، يغطيها الغبار. سقطت دمعةٌ تحجرت لسنوات، قررت أن تُمطر أخيراً لتغسل قهر الصدر.
في تلك اللحظة. شعرت؛ كما لو أن القلب يُفرّغ مافي جوفه، ويتقيأ الصدر ما حَمله من قهر حتى آخر رمق.
كان انكسار المنزل آخر مشهدٍ في فصول الحزن، لكنه الولادة الجديدة بعد مخاض هشّم الضلوع. ورقتنا الأخيرة طُويت، والنصرُ فتح لنا باباً يُفضي إلى دمشق الجديدة؛ بياسمينها، وأزقتها، ونفوس أهلها الطيبين الذين عاهدوا الله فصدقوا الوعد.
تغريبة العودة: قيامة الياسمين
لم تكن الساعة السادسة وثماني عشرة دقيقة مجرد رقم على شاشة الهاتف، كانت اللحظة التي توقف فيها الزمن السوري عن الدوران حول جرحه، ليعلن ولادة زمن جديد.
في تلك اللحظة، شعر السوريون في أصقاع الأرض بجاذبية غريبة تشدهم إلى التراب، كأن دمشق التي كانت “ثقباً أسود” يبتلع الأبناء، صارت فجأة “شمساً” تعيدهم إلى مداراتهم.
تخيل أن تشهد على حرّيتك التي دفعت ثمنها دمًا وتهجيرًا وقصفًا وانتهاكًا لعرضك ولشرفك؟
كيف سيكون حينها وقع هذه الجملة على مسمعك؟.
في بيتنا، ساد صمتٌ ليس كصمت العجز الذي ألفناه، بل هو صمت “الذهول”. كان أبي يجلس في مقعده، ويده التي ما فتئت ترتجف منذ عقدٍ من الزمن، استقرت فجأة فوق ركبته.
لم تسكن تماماً، لكنها أصبحت ترتجف بإيقاع مختلف؛ كأنها تحاول ضبط نبض القلب الذي كاد يتوقف من فرط الفرح.
نظر إليّ، ولأول مرة منذ سنوات، لم أرَ في عينيه صورة “عروة” المسجّى في غياهب السجون، بل رأيت صورة “عروة” وهو يبتسم خلف سياج الغيب، كأنه يقول: “الآن يا أبي، نم مستريحاً”.
طوفان المشاعر والذاكرة المثقوبة
بدأ السوريون يتدفقون نحو الحدود. كانت الطرقات الدولية تشهد أعظم زحف بشري في التاريخ الحديث؛ لم تكن قوافل لجوء تهرب من الموت، بل كانت قوافل “حياة” تهرع لتعانق بقايا الجدران.
يا إلهي، كم كان المشهد عظيم!
على المعابر، كان الناس يعانقون الغرباء، يبكون على أكتاف بعضهم بعضاً. كان “القهر المشترك” هو الهوية التي وحدتهم لسنوات، والآن صارت “الحرية المباغتة” هي اللغة التي يفهمونها جميعاً.
في عيون العائدين، كان هناك مزيجٌ مرعب من السعادة والرعب.
السعادة لأن الطاغية مضى، والرعب من مواجهة الحقيقة التي أخفاها الرماد. كان كل سوري يحمل في جيبه “مفتاحاً” صدئاً لبيتٍ قد لا يجد منه سوى العتبة، ويحمل في صدره “غصة” لفقيدٍ كان يمني النفس بلقائه على أبواب الشام الحرة.
رأيتهم كما الحمام الأبيض… وجوههم تغطي السماء كما الغمام، ضاحكة، فرحة، تغرد كما العصافير. بنشيد النصر وأن دمائهم أينعت من جوف الأرض وولدت أبطالًا وثقوا النصر بمداد من دم!.
مداواة المواجع
بدأت دمشق تفتح ذراعيها، لكنها كانت أذرعاً متعبة، منهكة من قيود المكبلين. كان الوجع الأول الذي بدأ السوريون بمداراته هو “وجع الذنب”.
ذنب الناجين الذين أكلوا وشربوا وناموا في منافيهم بينما كان إخوتهم يعصرون الصخر في “صيدنايا” و”فرع فلسطين”.
سجناء هم أسفل الأرض والآخرون كانوا سجناء أعلى الأرض!!
رأيتُ رجلاً خمسينياً يجلس أمام باب “الشرطة العسكرية”، لم يكن يبحث عن مفقود، بل كان يقبل الجدران التي أخفت داخلها صدى صرخات السجناء ويطلب منهم السماح. كان يهمس: “آسف لأنني تأخرت”.
هذا النوع من المواجع لا تداويه الخطب، بل يداويه “الفعل”. رأينا الشباب الذين عادوا وهم يحملون معاول البناء، لا لفكرة بناء البيوت فحسب، بل ليبنوا “الثقة” التي هشمتها سنوات الوشاية والمخبرين.
الوجع الثاني كان “وجع اليتم الجماعي”. نصف أطفال سورية كبروا دون آباء، ونصف آبارها شربت من دماء الأبناء.
في ساحة الأمويين، التي كانت يوماً مسرحاً للهتاف الأجوف، نصبت الأمهات سرادقاً كبيراً، لا للعزاء، بل “للتعارف” على مواجع بعضهنّ البعض. كانت كل أم تحمل صورة ابنها، ليسألوا بعضهم: “هل رأيتِ ابني في الزنزانة المجاورة؟”، “هل شرب معكِ شربة ماء قبل أن يرحل؟”. هناك، في تلك الساحة، تمت أكبر عملية “تطهير روحي” في التاريخ؛ حين اختلطت دموع أمهات الشهداء بدموع المعتقلين المحررين، لتغسل عار الصمت الطويل.
تنوء اللغة عن وصف المشهد. والبكاء حينها خيارًا وليس قرارًا. لأنه أبلغ من الكلمات التي وقفت في طابورً طويل عاجزة عن التعبير!.
دخل أخي “أحمد” دمشق مع طلائع الفجر. لم يذهب إلى بيتنا المحطم أولاً، بل توجه إلى المقبرة.
كان يحمل في يده “باقة ياسمين” وقبضة من تراب حلب التي تحررت أولاً. وقف أمام قبرٍ رمزي وضعه لعروة منذ سنوات، غرس فيه الياسمين وقال بكلمات هزت أركان المكان: “يا أخي، لم نعد غرباء في أرضنا. لقد سقط الذي سلبك شبابك، وها نحن نرفع اسمك فوق مآذن الأمويين وأجراس الكنائس”.
كان أحمد يمثل جيل “المنتقمين بالحب”. لم يرفع سكيناً على من ظلمونا، بل رفع “قلم رصاص” ليبدأ برسم خارطة الطريق للبيت الجديد وكتابة ورقة العدالة النهائية.
سيقف الجلادين أمام المحاكم… ثم يقفون أمام المحكمة الإلهية.
كانت مواجع السوريين تلتئم من خلال “العمل”. رأينا الأطباء الذين تركوا مشافيهم في أوروبا ليعالجوا الجرحى في المشافي الميدانية التي صارت مراكز وطنية.
رأينا المهندسين الذين اندفعوا ليصمموا أحياءً لا مكان فيها لـ “أقبية التعذيب”، بل لتصميم مدنٍ واجهاتها من حب، لكي يرى السوريون بعضهم البعض، دون خوف من “الجدران التي لها آذان”.
وغيرهم الكثير مما لا يمكن حصرهم في بضع كلمات، بل يجب على قصصهم أن تتأرخ ليشهد العالم التجربة السورية وفجيعة سنين الاستبداد.
ترميم الذاكرة السياسية والاجتماعية
الشعور الأكبر الذي ساد كان “الدهشة من الذات”. اكتشف السوريون أنهم لم ينسوا كيف يحبون.
رغم كل الكراهية التي ضخها النظام في عروقهم، ورغم كل محاولات تمزيق النسيج، وجدوا أنفسهم يعودون لـ “ألفة الحارة”.
في حواري دمشق القديمة، بدأ الناس يرممون “القناطر” المحطمة. كانت النسوة يوزعن “السكبة” (طبق الطعام) على الجيران، وهي عادة ظننا أنها اندثرت مع الحرب.
لكنها عادت، لأن الجوع الذي عاناه السوريون لم يكن جوعاً للخبز فقط، بل كان جوعاً لـ “الإنسان” الذي بداخلهم.
داوينا وجع “التشرذم” بأن جعلنا من كل بيتٍ “مضافة”. في بيتنا الذي لم يبقَ منه سوى جدارين، نصبنا خيمة.
كانت أمي تطبخ لمن يمر في الطريق، وكان أبي يجلس، وقد استرد لونه، يراقب بعينيه الأطفال الصغار الذين ولدوا في النزوح وكأنه تمنى لو أنه يسرد عليهم قصصاً عن “سورية التي كانت” و”سورية التي ستكون”.
لم يعد يتحدث عن “شلل الرعاش”، بل صار يتحدث عن “رعشة الأمل” التي تجعل الشيوخ يزرعون الأشجار وهم يعلمون أنهم لن يأكلوا من ثمرها، لكنهم يزرعونها لأن “الأرض استعادت طهرها”.
دمشق بلا أقنعة
الساعة الآن تشير إلى انتصاف العمر السوري. دمشق اليوم ليست مجرد عاصمة، إنها “فكرة”.
فكرة أن الحق لا يموت ما دام وراءه طالب، وأن القهر مهما طال ليله، لا بد أن ينكسر أمام إرادة شعبٍ قرر أن يكتب تاريخه بمداد الكرامة لا بدموع الذل.
لقد رتقت أمي دميتي القديمة، لكنها لم تكتفِ بالخيوط؛ بل وضعت في قلب الدمية “بذرة ياسمين”. قالت لي: “هذه الدمية ستموت يوماً، لكن الياسمينة ستكبر وتغطي الركام”.
وهكذا نحن السوريين؛ نخرج من بين الركام، نلملم شتات أرواحنا، نضمد جراحنا بالعمل، ونمضي نحو غدٍ لا مكان فيه لطاغية، ولا مكان فيه لخوف.
سورية اليوم، من درعا إلى القامشلي، ومن اللاذقية إلى البوكمال، تنبض بقلبٍ واحد.
لقد كانت الضريبة باهظة، والمواجع عميقة، لكن طعم الحرية في “ساحة المرجة” وفي “أزقة باب توما” جعلنا نؤمن أن كل قطرة دم، وكل صرخة معتقل، كانت هي الثمن الضروري لكي نستعيد حقنا في أن نكون “بشراً” لا “رعايا”.
انتهت الرواية الحزينة، وبدأنا نكتب “كتاب الحياة”. واليوم، حين أغمض عيني، لا أسمع صوت القصف، بل أسمع صوت “بردى” وهو يغني لدمشق: “لقد عاد أهلكِ يا بهية.. فالبسي ثوبكِ الأبيض، فقد غسلنا عنكِ غبار السنين”.
ورغم ما قد تشهده البلاد من مرارة أولية نتيجة التفتت الذي حدث بين أطياف الشعب. إلا أنني على يقين بأن تلك الغمامة ستزول.
وأن السوري لن يترك يد أخيه السوري. هكذا عهدنا سوريا منذ الأزل… وهكذا سنراها في مقبل الأيام. حلوة كحلاوة السكر، بهية، مشرقة وعبير يا سمينها يفوح من دمشق حتى سوريا كلها.
والآن أخبرني: كم لبثت الحرب يا أخي في الهوية؟.
لا أعلم. ربما عمري وأكثر!.
الجزء الأول: قصة ردع العدوان: رعشة القيد.
تم نسخ الرابط





