إعلان - Advertisement

حين تخرج الروح في نزهة مؤلمة وتترك الجسد أسير اللحظة

حين تخرج الروح في نزهة لا تخبرك إلى أين تتجه، تبدأ رحلة الحنين الحقيقية، حيث يضطرب توازن الجسد والروح، وتبدأ معركة صامتة بين ما يُرى وما يُحس في الأعماق.

حين تخرج الروح في نزهة ولا تخبرك إلى أين ستأخذك الذكريات

أتدري ما الحنينُ فعلاً؟
ليس صوتاً قديماً في الذاكرة، ولا صورةً ملوّنةً اهترأت أطرافها من التكرار، ليس رسالةً لم تصل، ولا وعداً تأخّر حتى تلاشى.
الحنينُ، في عمقه البعيد، هو اختلال التوازن بين الجسد والروح، حين تقرر الروحُ أن تسافر وحدها، دون أن تستشير هذا الجسد العالق في الزمان والمكان، فيضيع التوافق بين الداخل والخارج، وتبدأ معركةٌ صامتة لا تُرى، ولكنها تُنهكك تماماً.

الحنينُ، هو أن تتمدّد في غرفتك، بينما قلبك يركضُ في طرقاتٍ هجرتها منذ سنوات، هو أن تنظر إلى وجهٍ مألوف، ولكنّ عينيك لا تريان إلّا ظلّاً لشخصٍ آخر، كان هناك، في زاويةٍ من الماضي، وانتشل شيئاً منك ولم يُعِدهُ أبداً.

الحنينُ هو أن تُمسك فنجانَ القهوةِ صباحاً، وتبتسم كأن شيئاً لم يكن، بينما الروحُ تعود إلى لحظةٍ بعيدةٍ لم تكتمل، تنقّبُ عنها كأنها تُنبّش قبراً تبحث فيه عن نبضٍ قديم.

هو أن تقفَ في مكانك، ثابتاً ظاهرياً، بينما تسافر أعماقك في كلّ اتجاه، تبحث عن دفءٍ غاب، أو كلمةٍ قيلت عابراً فزلزلت العالمَ بداخلك.
هو هذا الصمت الذي يصاحبك طويلاً، لأن الكلامَ الذي تُريد أن تقوله، لا يُقال، لأنّ الروحَ لا تُترجم، بل تُشعَر.

أتدري ما الحنينُ؟
هو أن تُهاجَمَ فجأةً بصورةٍ لا تعرف من أين جاءت، فتتجمّد، ليس خوفاً، بل لأنك، ببساطة، عُدتَ إلى تلك اللحظة بكامل جوارحك، دون أن يتحركَ منك شيءٌ واحدٌ في الواقع.
الحنينُ لا يحتاج إلى صوتٍ أو طيف، يكفيه أن تمرّ لحظةُ سكونٍ، حتى يتسلّلَ إليك كضوءٍ خافتٍ من تحت بابٍ مُغلق.

هو أن تقول “أنا بخير”، بينما في داخلك تنهارُ كلُّ الأبواب القديمة، ويهوي من النسيانِ ما كنتَ تظنّهُ دُفنَ طويلاً.
هو أن تنظرَ إلى يدك، وتدركَ أن مَن اعتادَ أن يُمسكها، لم يعد، ولن يعود، لكنّ روحك ما زالت تمتدّ هناك، حيث تركَك.

الحنينُ، هو حين لا يستطيع الجسدُ أن يذهبَ حيثُ تذهبُ الروح.
أن تكون مُقيّداً بهذا الجسد، مُثقلاً بهذا الزمن، بينما أعماقك تطيرُ إلى حيث لا تستطيع الوصول، تُحلّقُ فوق لحظاتٍ مضت، فوق أماكنَ لم تَعُد، فوق أشخاصٍ لم يبقَ منهم إلا اسمٌ تُخفيهُ عن نفسك كي لا تؤلمها أكثر.

الحنينُ، ببساطة، هو الغيابُ الذي لا يُعلن عن نفسه، لكنه يُقيمُ فيك دائماً.
هو التوقُ المستمرُّ إلى ما لا يمكن استرجاعه، إلى شيءٍ أفلَ، ولكنّه لم ينطفئ في داخلك.
هو أن تنظر إلى الأمام، لكن قلبك لا يتزحزح عن الوراء.

لهذا، حين يشتدُّ الحنين، لا تُقاومهُ، دعهُ يمرُّ، لكن تذكّر: ما غادرَكَ بجسدِه، قد لا يعود، ولكن ما سكنَ روحك، سيبقى هناك، وإن لم تلمسهُ ثانيةً.

فهذا هو الحنينُ حقاً: سفرٌ روحيٌّ دائم، بلا تذكرة، بلا عودة، بلا خريطة.

تم نسخ الرابط

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement