حين تصبح النجاة واجباً يومياً لا تعود الحياة مسألة خيار

حين تصبح النجاة واجباً يومياً، يصبح البقاء تحدياً، والقتال ضدّ الزمن والمرض والحزن مهمة يومية، لا مفرّ منها، بل ضرورة لاستمرارك وسط هذا العالم المضطرب.

حين تصبح النجاة واجباً يومياً

اكتشفتُ متأخراً ربما، لكنّ الاكتشاف في حدّ ذاته نعمة، أنّ حياتي لم تكن سلسلةً من الاختيارات، بل كانت ساحةً من الاشتباكات، لم أكن أختار طريقي، بقدر ما كنتُ أُزاحِم الظروف لأشقّ ممراً فيها، لم أكن أقرر، بل كنت أقاوم، أقاوم المرض حين يتسلّل في جسدي خفيةً.

وأقاوم الفقد حين يقتلع من قلبي من أحببتُ، وأُجبَر على التصديق بأنّ الغياب قدرٌ لا يُرَد، أقاوم انكساراتي، وانهياراتي، وأشلاء نفسي التي تتناثر كلّما حاولتُ النهوض من جديد، أقاوم المشاعر حين تصبح عبئاً لا يُحتمل، وحين يصبح الحب معركةً خاسرة، والعطاء استنزافاً.

أُجبَر كلّ يوم على محاربة أشياء لا أملك حيالها حيلةً، أُجبَر على البقاء في معركةٍ لستُ طرفاً فيها، بل مجرّد جنديّ تُلقى عليه الأوامر، ليس لأنني أريد، بل لأنّ التوقّف يعني الانهيار، أنا لا أعيش، بل أقاوم الحياة، أقاومها بكلّ ما فيها: تقلباتها، مفاجآتها، قسوتها، وحتّى طيبتها التي تأتي غالباً في وقتٍ خاطئ، أو بثمنٍ باهظ.

كلّ ما حولي يُجبرني على القتال، حين أمرض، أُقاتل لأبقى، حين أفقد، أُقاتل لأتجاوز، حين تُؤذيني الكلمات، أُقاتل لأتظاهر بالقوة، حين تخذلني الحياة، أُقاتل لأقنع نفسي بأنّ القادم ربما يكون أفضل، لكنّ الحقيقة التي لا مفرّ منها أنّني لستُ بخير، ولم أكن كذلك يوماً، فقط أتقن فنّ التماسك، وأجيد لبس الأقنعة، وأدّعي الصلابة.

صرتُ أفهم، أخيراً، أنّ بعضنا لا يعيش الحياة، بل يُصارعها، لا يعرف طعم الراحة، ولا يحظى بهدنة، ننهض كلّ صباح، لا لنُنجز، بل لنُقاوم، نبتسم لا لأنّ الفرح حلَّ ضيفاً، بل لأنّنا لا نملك خياراً آخر، بعضنا لا يملك رفاهية الانهيار، لأنّه إن انهار، لن يجد من يُعيد بناءه.

أنا ذلك البعض، أنا من كُتبت عليه المقاومة، وصارت نمط حياة، صرتُ أُجيد الوقوف في وجه الرياح، حتى إن اجتثّت جذوري، وحتى إن أفقدتني ظلالي، صرتُ أُجيد الكتمان، لأنّ البوح أصبح رفاهيةً لا يملكها مثلي، لا أحد يريد أن يسمع صراخ قلبٍ منهك، ولا أحد يملك وقتاً ليرى الشروخ خلف الابتسامات.

أنا باختصار: مقاومة، لا أكثر، ولا أقل، لا أبحث عن نصرٍ، ولا أرجو مكافأة، فقط أُقاوم لأنّني ما زلتُ على قيد الحياة، أُقاوم لأنّ التراجع بات يعني نهايتي، أُقاوم لأنّني مجبَر، لا بطلاً ولا فارساً، بل إنسانٌ وجد نفسه في معركةٍ لم يخترها، ولم ينسحب منها.

إنّه لأمرٌ مُرهِق، أن تكون دائماً في وضعية الدفاع، أن تُجبَر على حمل سلاحٍ داخليّ لا تراه، لكنه يُثقلك، أن تبقى يقظاً، مستعدّاً، مترقّباً، لا لأنّك تُحبّ الصراع، بل لأنّ الحياة لم تُعطِك خياراً سوى أن تُقاوم.

هي ليست حياةً عادية، بل حياةٌ تُعاش على حافّة الانهيار، وتتطلّب منك أن تكون قوياً كلّ يوم، أن تُمثّل هذا الدور بإتقان، وأن تُقنِع نفسك بأنّك ستنجو، ولو من باب الأمل.

لكن، في لحظة صدق، أقولها: لستُ بخير، أنا فقط أُقاوم.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.
زر الذهاب إلى الأعلى