حين يتعب القلب من الحزن (بقلم: نور الهدى خليل)
هناك تعبٌ لا يُشبه أيّ تعب… تعبٌ لا يُرى على الوجه، ولا يُقاس بعدد ساعات النوم، ولا يزول بكلمة «استريحي قليلًا».
إنّه تعب الروح حين تحمل فوق طاقتها، وحين يصبح الحزن جزءًا من تفاصيل يومها، حتى في اللحظات التي يُفترض أن تكون فيها سعيدة.
أحيانًا، لا نكون بحاجة إلى شيءٍ سوى أن يتوقّف كل شيء حولنا قليلًا، أن نصمت دون أن يسألنا أحد: «ما بك؟» أن نبكي دون أن نضطر إلى شرح أسباب دموعنا، وأن نجد شخصًا يفهم أن بعض الأحزان لا تُحكى، لأنّها أكبر من الكلمات.
كم هو مؤلم أن تستيقظ كل صباح وأنت تحمل في داخلك ثقلًا لا تعرف كيف تتخلّص منه، تبتسم للآخرين، تتحدّث معهم، وتُكمل يومك وكأنّك بخير، بينما في داخلك شيءٌ ينكسر بصمت، شيءٌ يتعب من الانتظار، ومن الخيبات، ومن محاولة التظاهر بالقوة.
ليس الحزن دائمًا بسبب موقفٍ واحد، أحيانًا يكون نتيجة أشياء كثيرة تراكمت في القلب: كلمةٌ قاسية، غياب شخصٍ نحبه، خذلانٌ لم نتوقعه، ذكرياتٌ لا تزال تؤلمنا، وأحلامٌ تأخرت حتى بدأنا نفقد الإيمان بقدرتها على الوصول.
نحن لا نتعب لأننا ضعفاء، بل لأننا حاولنا كثيرًا، حاولنا أن نكون بخير، أن نتجاوز، أن نسامح، وأن نبدأ من جديد، لكنّ القلب، مهما بدا قويًا، يحتاج أحيانًا إلى لحظة راحة، إلى حضنٍ صادق، إلى كلمةٍ تُشعره بأنّه ليس وحده في هذه الحياة.
وما أقسى أن تكون محاطًا بالناس، ومع ذلك تشعر بأنك وحيد، أن تملك الكثير من الكلام، لكنك لا تجد الشخص الذي تستطيع أن تقول له كل شيء دون خوفٍ من أن يُساء فهمك، أن تضحك معهم، ثم تعود إلى غرفتك، فتشعر بأنّ كل ما أخفيته طوال النهار قد عاد دفعةً واحدة.
تعبتُ من الحزن الذي لا يعرف كيف يرحل، ومن الذكريات التي تعود كلما ظننتُ أنّني تجاوزتها، تعبتُ من محاولة فهم ما حدث، ومن البحث عن إجاباتٍ لأسئلةٍ لا يملك أحدٌ إجاباتها، تعبتُ من أن أبدو قويةً في الوقت الذي كنتُ فيه بحاجة إلى من يقول لي: «لا بأس، يمكنكِ أن تتعبي قليلًا».
لكنني، رغم كل هذا، ما زلت أؤمن بأنّ الحزن ليس نهاية الطريق، وأنّ الأيام، مهما أثقلت قلوبنا، قد تحمل لنا لحظاتٍ أجمل مما نتخيّل، ربما لن ننسى كل ما آلمنا، لكننا سنتعلّم يومًا كيف نحمله دون أن يسمح له بتحطيمنا.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن نمنحه لأنفسنا في لحظات التعب هو الرحمة، أن نتوقف عن لوم أنفسنا لأننا لم نكن بخير، وأن نسمح لدموعنا بالنزول، وأن نؤمن بأنّنا نستحق الراحة، والحب، والأمان… حتى في أكثر أيامنا حزنًا.
فليس عيبًا أن تتعب، ولا عيبًا أن تحزن، ولا عيبًا أن تحتاج إلى من يمسك بيدك.
العيب الوحيد هو أن تنسى، وسط كل هذا الألم، أنّك إنسان يستحق أن يعيش بسلام.





