حين يصبح الهاتف حاضرًا والإنسان غائبًا بقلم محمد سعيد الحداد
لم يعد الهاتف مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح حاضرًا في تفاصيل حياتنا اليومية إلى درجة جعلت البعض يعيش مع من هم بعيدون أكثر مما يعيش مع من يجلسون إلى جواره.
في المنزل تجد أفراد الأسرة في مكان واحد
لكن كل شخص يعيش داخل شاشة مختلفة.
وفي جلسات الأصدقاء قد يجلس الجميع حول طاولة واحدة.
بينما ينشغل كل واحد بعالم آخر داخل هاتفه.
المشكلة ليست في الهاتف نفسه
فالتكنولوجيا أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتنا.
والهاتف يوفر المعرفة والتواصل والعمل والخدمات في ثوانٍ.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى بديل عن الحياة نفسها.
عندما يصبح أول ما نبحث عنه بعد الاستيقاظ هو الهاتف.
وآخر ما ننظر إليه قبل النوم هو الشاشة.
وعندما يصبح الحوار مع من نحب أقل أهمية من إشعار يصل من شخص بعيد.
فهنا نحن أمام مشكلة اجتماعية تستحق التوقف.
الأخطر أن الأمر لا يتعلق بالوقت فقط.
بل بطريقة علاقتنا ببعضنا البعض.
طفل يريد أن يحكي لوالده شيئًا مهمًا.
فيجد والده منشغلًا بهاتفه.
زوجة تتحدث مع زوجها.
وهو يتابع شاشة أخرى.
صديق يجلس بجوار صديقه.
لكن كل منهما مشغول بعالمه الافتراضي.
وبمرور الوقت قد نكتشف أننا كنا موجودين جسديًا في حياة بعضنا.
لكننا لم نكن حاضرين فيها بالقدر الكافي.
فما الحل؟
الحل ليس أن نحارب التكنولوجيا.
ولا أن نطالب الناس بالتخلي عن هواتفهم.
فهذا غير واقعي.
الحل أن نعيد الهاتف إلى مكانه الصحيح.
نستخدمه عندما نحتاج إليه.
ولا نسمح له بأن يسرق كل لحظة من حياتنا.
يمكن للأسرة أن تحدد أوقاتًا يومية بلا هواتف.
خصوصًا أثناء الطعام والجلوس العائلي.
ويمكن للوالدين أن يكونا قدوة لأبنائهما.
فمن الصعب أن نطلب من الطفل أن يترك هاتفه بينما يرى والده لا يترك هاتفه.
كما يمكن أن نعيد قيمة الحوار المباشر.
فالرسالة لا يمكنها دائمًا أن تعوض جلسة صادقة.
والإعجاب على منشور لا يعوض السؤال الحقيقي عن أحوال شخص نحبه.
والأهم أن نتعلم أن استخدام التكنولوجيا يحتاج إلى وعي وليس إلى منع.
فالهاتف أداة
والأداة لا تصبح مشكلة إلا عندما نفقد السيطرة على طريقة استخدامها.
نحن بحاجة إلى جيل يعرف كيف يستفيد من التكنولوجيا.
دون أن يسمح لها بأن تسرق منه علاقاته ووقته وانتباهه.
فالتقدم الحقيقي ليس أن نكون متصلين بالعالم طوال الوقت.
بل أن نعرف متى نغلق الشاشة لنكون حاضرين مع الإنسان الذي أمامنا.
وفي النهاية
المشكلة ليست أن الهاتف أخذ مساحة كبيرة من حياتنا.
بل أن بعضنا بدأ يمنحه المساحة التي كان يجب أن يحتلها الإنسان.
فلنستخدم التكنولوجيا.
لكن لا نسمح لها بأن تستخدمنا.
لأن أقوى اتصال في الحياة ليس اتصال الهاتف بالشبكة.
بل اتصال الإنسان بالإنسان.
والحل لا يحتاج إلى قرار كبير.
قد يبدأ فقط من لحظة واحدة:
- ضع هاتفك جانبًا.
وانظر في عين من يتحدث إليك.





