خاطرة رحيل الإنسانية بقلم: الكاتبة نور الهدى خليل
لم ترحل الإنسانية في يومٍ واحد، ولم تطرق الأبواب مودّعةً قبل أن تغادر، رحلت بصمت، شيئًا فشيئًا، حتى اعتدنا غيابها وكأن وجودها لم يكن يومًا ضرورة.
رحلت حين أصبح الألم مشهدًا عابرًا، نراه على الشاشات ثم ننتقل إلى خبرٍ آخر وكأن الأرواح أرقام، وكأن دمعة طفل لا تستحق أن توقف العالم للحظة.
رحلت حين أصبح الإنسان يقيس قيمة الإنسان بما يملك، وبما يرتدي، وبالمكان الذي يقف فيه، لا بما يحمله قلبه من رحمة وصدق، أصبحنا نعيش في عالمٍ سريع؛ سريع في الحكم، سريع في الغضب، سريع في النسيان، لكننا بطيئون جدًا في التعاطف.
أين ذهبت تلك القلوب التي كانت تتألم لألم الآخرين؟ أين اختفت اليد التي تمتد دون أن تسأل عن المقابل؟ وأين أصبحنا حين صار الاعتذار ضعفًا، والتسامح سذاجة، والرحمة شيئًا نادرًا؟
ربما لم تمت الإنسانية تمامًا، لكنها اختبأت خلف الخوف والمصالح والأنانية، ما زالت هناك أم تضم طفلها بحنان، وغريب يساعد غريبًا، وشخص يقتسم ما يملك مع من لا يملك شيئًا، ما زالت هناك قلوب تقاوم قسوة العالم، وإن كانت أصواتها أقل من أصوات الكراهية.
إن رحيل الإنسانية ليس نهاية العالم، بل تحذير له
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من القوة بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الرحمة، لا يحتاج إلى أشخاص ينتصرون على بعضهم، بل إلى أشخاص ينتصرون للإنسان في داخلهم، لأن الحضارة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأبراج التي نبنيها، ولا بحجم الثروات التي نملكها، وإنما بقدرتنا على ألا نفقد إنسانيتنا ونحن نبحث عن كل شيء آخر.
قد نختلف في الدين، واللغة، واللون، والوطن، والأفكار؛ لكننا نتشابه في شيء واحد: جميعنا يعرف معنى الخوف، والحزن، والفقد، والحاجة إلى يدٍ تمتد نحونا في اللحظة التي نشعر فيها أننا وحدنا.
ولذلك، ربما لم يحن وقت رثاء الإنسانية بعد.
ربما يكفي أن نعيد إليها مكانها في قلوبنا.
أن نرحم قبل أن نحكم، وأن نساعد قبل أن نسأل، وأن نعتذر قبل أن نخسر، وأن نتذكر أن خلف كل وجهٍ نراه حكاية لا نعرفها.
فالإنسانية لا ترحل عندما يموت الناس، بل عندما تموت الرحمة في قلوب الأحياء.
وربما يكون السؤال الحقيقي ليس: متى رحلت الإنسانية؟
بل:
متى نقرر أن نعيدها؟





