إعلان - Advertisement

خاطرة عن الأب المتوفي… لم يخبرني أحد أنها آخر مرة

لم يخبرني أحدٌ أنها ستكون آخر مرة يا أبي.

لو عرفتُ، لما أفلتُّ يدك بتلك السرعة، ولما اكتفيتُ بقول أراك غداً وأنا منشغلٌ بهاتفي، ولما تركتُ فنجان الشاي الذي أعددتَه لي يبرد على الطاولة.

لو عرفتُ أنها المرة الأخيرة، لتأملتُ وجهك طويلاً، ولحفظتُ تفاصيله كما أحفظ اسمي، ولأمعنتُ النظر في عينيك حين تضحكان، وفي ملامحك التي لم أكن أعرف أنها ستصبح يوماً كل ما أملك منك.

لكنتُ جلستُ إلى جوارك أكثر، وسألتُك عن أشياء كثيرة كنتُ أظن أن العمر لن يبخل علينا بوقتٍ يكفيها.

كنتُ أظن أن الوقت في صفّنا.

كنتُ أظن أن صوتك سيبقى في آخر الممر كلما عدتُ متعباً، وأنني سأجدك دائماً في انتظاري، وأن كتفك سيبقى المكان الذي أستند إليه مهما كبرت، ومهما أخذتني الحياة بعيداً.

لم أكن أعرف أن الإنسان قد يفقد أباه، ثم يكتشف أن جزءاً من الأمان الذي كان يعيش فيه قد رحل معه.

والآن، أقف كل يوم في منتصف الحياة، أحاول أن أبدو قوياً، ولا أجد خلفي ذلك الجدار الذي كنتُ أستند إليه دون أن أشعر.

لا توجد يدٌ تربّت على كتفي وتقول: لا تخف، أنا هنا.

أصبحتُ أنا من يقول لأمي: لا تخافي.

وأنا الذي أرتجف.

أتدري يا أبي ما الذي يؤلمني أكثر من غيابك؟

أن الحياة لم تتوقف بعدك.

ما زالت الأشياء الجميلة تحدث، وما زلتُ أضحك أحياناً، وما زالت تصلني أخبارٌ أريد أن أخبرك بها.

وفي كل مرة يحدث شيء جميل، تمتد يدي تلقائياً إلى هاتفي لأبحث عن اسمك، لأقول لك ما حدث، لأسمع صوتك وأسمع منك كلمةً واحدة…

ثم أتذكر.

فتبقى يدي معلقةً للحظات، ويعود كل شيء إلى صمته.

سامحني يا أبي.

سامحني على كل مرةٍ انشغلتُ فيها عنك، وعلى كل مرةٍ قلتُ فيها لاحقاً لأنني ظننتُ أن الوقت طويل، وعلى كل كلمة حبٍ أخّرتها لأنني اعتقدتُ أنك تعرفها دون أن أقولها.

لم أكن أعرف أن بعض الكلمات إذا تأجلت، قد لا تجد فرصةً أخرى للخروج.

سامحني على كل أراك غداً قلتها لك، ولم يأتِ الغد الذي كنتُ أظنه مضموناً.

ما زلتُ أناديك في سرّي يا أبي.

أعرف أنك لن تجيب، ومع ذلك أناديك.

ربما لأن القلب لا يفهم الغياب بالسرعة التي يفهمها العقل، وربما لأنني، مهما كبرت، سأبقى ذلك الابن الذي يبحث عن أبيه حين يخاف، وحين يفرح، وحين تضيق به الحياة.

رحمك الله يا أبي.

وكلما اشتقتُ إليك، دعوتُ الله أن يجمعني بك في دارٍ لا فراق فيها.

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

إسكندر علي

أنا كاتب أؤمن بقوة الكلمة وأهميتها في توصيل الأفكار، أسعى دائماً لتطوير أسلوبي وصياغة محتوى يترك أثراً في القارئ، وأرى الكتابة كوسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر والتأثير بشكل إيجابي على الآخرين.