خفض الأسعار تحت الرقابة – بقلم محمد سعيد الحداد
في ملف الأسعار لا تكفي القرارات المعلنة، فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما يدخل المواطن إلى المنفذ بحثًا عن السلعة بالسعر المعلن ويجدها متاحة بالفعل.
ولهذا فإن متابعة الأسواق لا ينبغي أن تتوقف عند إعلان أسعار مخفضة أو إطلاق مبادرة جديدة.
بل تمتد إلى سؤال أكثر أهمية:
- هل وصلت المبادرة إلى المواطن فعلًا؟
هذا السؤال يأتي في توقيت تواصل فيه وزارة التموين والتجارة الداخلية متابعة تنفيذ مبادرة خفض أسعار السلع من خلال غرفة عمليات ترأسها الدكتور شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية لمتابعة توافر السلع ومعدلات الضخ وحركة السحب وأرصدة المخزون والأسعار بالمنافذ المشاركة.
وبحسب بيان الوزارة فإن المتابعة تركز بصورة خاصة على السلع التي تشهد إقبالًا مرتفعًا من المواطنين ومن بينها الجبن والصلصة والأرز والمربى والطحينة مع توجيهات بتكثيف الضخ وسرعة إعادة الإمداد وفقًا لمعدلات الطلب.
وهنا تكمن النقطة الأهم
خفض السعر وحده لا يكفي إذا لم تكن السلعة موجودة.
فالمواطن لا يستفيد من سعر معلن على ورق إذا ذهب إلى المنفذ ولم يجد المنتج أو وجد كميات محدودة لا تتناسب مع حجم الطلب.
ولهذا فإن ربط الأسعار بمعدلات السحب وأرصدة المخزون وإعادة الإمداد يمثل جانبًا مهمًا في إدارة أي مبادرة تستهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين.
المعادلة ببساطة:
- سعر مناسب + توافر مستمر + رقابة فعالة = مبادرة يشعر المواطن بأثرها الحقيقي.
وفي إطار توسيع نطاق المبادرة وافقت اللجنة المختصة على انضمام سلسلة “لولو ماركت” إلى المبادرة وطرح السلع المحددة بذات الأسعار المعلنة.
كما يجري استكمال إجراءات انضمام سلاسل تجارية أخرى مستوفية للضوابط خلال سبتمبر الجاري.
وهذا التوسع يحمل أهمية أخرى
لأن زيادة عدد الجهات المشاركة تعني زيادة نقاط إتاحة السلع واتساع نطاق الوصول إليها إذا صاحَب ذلك التزام حقيقي بالأسعار والكميات المعلنة.
لكن التحدي لا ينتهي عند زيادة عدد المنافذ.
فكلما اتسعت المبادرة أصبح الحفاظ على الرقابة والمتابعة أكثر أهمية.
خصوصًا أن الوزارة أكدت استمرار الحملات الرقابية على الأسواق والمنافذ المشاركة ومتابعة الالتزام بالأسعار المعلنة وتوافر السلع واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المخالفات.
وهنا تظهر أهمية الرقابة
فالرقابة ليست مجرد تحرير محاضر بعد وقوع المخالفة.
بل يفترض أن تكون وسيلة لمنع الممارسة المخالفة قبل أن تتحول إلى عبء على المواطن والسوق معًا.
ومن التطورات اللافتة في البيان أيضًا الاتفاق على إنشاء أول سوق دائم بمحافظة كفر الشيخ بالتعاون بين جهاز تنمية التجارة الداخلية والشركة القابضة للصناعات الغذائية.
الفكرة هنا تتجاوز البيع المؤقت
فالسوق الدائم يمكن أن يمثل قناة مستمرة لإتاحة السلع وتقليل الحلقات الوسيطة وتعزيز المنافسة وتوسيع خيارات المستهلك.
كما يتضمن المشروع فتح باب تلقي طلبات الشركات والموردين الراغبين في عرض منتجاتهم داخل السوق وفق الضوابط والقواعد المنظمة بما يسمح بتنوع المعروض ليشمل المواد الغذائية والخضروات والفاكهة والملابس وغيرها من المنتجات.
وهذه الخطوة تطرح قضية أوسع من مجرد خفض سعر سلعة هنا أو هناك.
وهي كيف يمكن زيادة المعروض وخلق منافسة حقيقية داخل السوق؟
لأن المنافسة عندما تكون حقيقية يمكن أن تصبح إحدى الأدوات التي تساعد على تحسين الأسعار وجودة الخدمة وتعدد الخيارات أمام المستهلك.
لكن نجاح أي مبادرة في النهاية لا يقاس بعدد الاجتماعات.
ولا بعدد البيانات.
ولا بعدد الجهات التي أعلنت مشاركتها.
بل بما يراه المواطن في السوق.
- هل السلعة موجودة؟
- هل السعر مطابق للمعلن؟
- هل الجودة مناسبة؟
- هل يستطيع المواطن الحصول على احتياجاته دون معاناة؟
- وهل توجد رقابة حقيقية عندما تحدث مخالفة؟
هذه هي الأسئلة التي تمنح أي مبادرة قيمتها الحقيقية.
والأهم أن المواطن نفسه شريك في الرقابة.
فعندما يعرف السعر المعلن ويلاحظ مخالفة أو تلاعبًا يصبح الإبلاغ عن المخالفة جزءًا من حماية السوق وليس مجرد شكوى فردية.
وفي المقابل تحتاج الجهات الرقابية إلى التعامل الجاد والسريع مع البلاغات والمخالفات حتى يشعر المواطن أن صوته ليس مجرد تسجيل جديد داخل منظومة الشكاوى.
- فالسوق المستقر لا تصنعه الحكومة وحدها.
- ولا التاجر وحده.
- ولا المواطن وحده.
بل تصنعه قواعد واضحة وتاجر ملتزم ومستهلك واع ورقابة قادرة على التدخل في الوقت المناسب.
وفي النهاية
المواطن لا يريد أن يسمع أن الأسعار انخفضت.
بل يريد أن يجد السعر المنخفض أمامه عندما يذهب للشراء.
فالبيان قد يعلن المبادرة.
والقرار قد يحدد السعر.
والرقابة قد تلاحق المخالف.
لكن النجاح الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن أن ما قيل في غرفة العمليات وصل بالفعل إلى رف المتجر وإلى ميزانية الأسرة.
لأن خفض الأسعار على الورق قرار.
أما خفض العبء عن المواطن في الواقع فهو الإنجاز الحقيقي.





