قصة بعنوان “ربما في عالم آخر أستطيع معانقة آمالي”
كنت كسائر فتيات جيلي أغفو وأنا على يقين بأنني عندما أكبر سأحقق كل أحلامي، لكن ذلك لم يحدث، حتى الآن ربما في عالم آخر أستطيع معانقة آمالي.
ربما في عالم آخر أستطيع معانقة آمالي
الساعة العاشرة مساءً، القمر المنير يخبرني بأن الليلة هي الرابعة عشر من الشهر الهجري، يعم سكون الليل المكان، نسمات الهواء العليلة ترغمني أعد قهوتي وأجلس في الشرفة كعادة كل ليلة، بدأت بالفعل في إعدادها، لكن يخيل لي أن رائحتها اليوم مختلفة، فهي مزيج من الحنين إلى الماضي والشعور باليأس الدفين كوني أصبحت بعمر كنت أظن أنني سأبلغه وأحلامي أصبحت حقيقة.
لم أجلس في مكاني المعتاد، فهناك من يؤنس وحدتي هذه الليلة ويغمرني بضوءه الفضي، ومع أول رشفة من فنجاني شعرت كما لو أنني عدت طفلة في الرابعة من عمرها، تطل برأسها من النافذة، تخشى أن تعلم والدتها بذلك فتوبخها خوفاً من سقوطها، ولكن كيف لها أن تسقط وهي تسترق النظر إلى القمر فقط، ثم تعود إلى سريرها حاملة معها أحلاماً وآمالاً ستحققها عندما تكبر.
كانت تلك الصغيرة تعشق الذهاب إلى الروضة، ليس من أجل المرح واللعب كسائر أبناء جيلها، ولكن لأنها تدرك بأن هذه هي الخطوة الأولى لبلوغ ما تتمنى، ولذلك فقد كانت حريصة على التعلم منذ نعومة أظافرها، ربما كانت تظن أن الأحلام عالقة فقط بسلوك دروب التعليم.
بدأت الطفلة الصغيرة ذات الضفائر أن تفكر بعقل يفوق عمرها أضعافاً، فهي تريد السفر، التنقل من بلدة إلى أخرى كما لو أنها تذهب إلى الأقارب في المنزل المجاور، فهي تشعر أن العالم ما هو إلا مكان صغير، صغير للغاية قد لا يتسع أحلامها، تلك الأحلام التي لم تقف عند هذا الحد.
فهي تريد عندما تكبر أن يكون لديها العمل الخاص بها، يُعرف اسمها بين الدول، لها المكانة الرفيعة في مجتمعها، ويفخر بها والديها، وكذلك أولادها.
أعتقد أن تذّكري تلك الصغيرة أنساني ارتشاف بقية مشروبي الدافيء إلى أن أصبح بارداً لا مذاق له، تماماً كالحياة بالنسبة لها عندما واجهت حقيقتها بمرور السنوات، فهي لا تقدر على السفر من بلد إلى أخرى دون إجراءات معقدة، أوراق، تأشيرات، وأموال طائلة لم تقدر على جمعها في هذه السن الصغيرة، وهي التي كانت تظن أنه بإمكانها أن تكون في الصباح بتركيا وفي المساء بإيطاليا، لتنام في روما وتستيقظ لتجد نفسها في المملكة العربية السعودية فتؤدي مناسك العمرة.
كانت كلما تكبر تفقد جزءً من شغفها، فهي التي قضت أجمل سنوات عمرها في محاولات بائسة لبلوغ ما تتمنى كما لو أنها في سباق ليس به خط نهاية.
أين يكمن الخطأ، لماذا لا تصل، لماذا لا تقدر على تحقيق ولو جزءً من أحلامها؟ لماذا ترى آمالها بين يدي من لا يُقدّرونها، تعود منتكسة الرأس تعد فنجانها المفضل كل يوم لترشف منها رشفة واحدة بينما تراقب الوجه المضيء في السماء، وهي تحدث نفسها: ربما اليوم لا أملك مفاتيح أحلامي، ولكن غداً سيعود القمر وهو يحملها بين ذراعيه.
تم نسخ الرابط





