رسالتي الأخيرة قبل أن يقتص مني هذا الداء
خلف السقوط، أخيراً أرى النجوم، أرى روحي وكل شيء يتبدد، بفعل داء أقسم أن يتغلغل في دمي ويقتلني وينسف أحلامي، إليك أيها القارئ رسالتي الأخيرة.
رسالتي الأخيرة ـ جسدي محطة قطار والسرطان الراكب الوحيد
كان هنالك شعورٌ غريبٌ يلاحقني.. كظلٍّ يتسلل خلف خطواتي، يهمس في أذني بأنني سأقفُ يومًا على حافة الهاوية، ألوّح بيدي لأحلامي التي لم تكتمل، كمن يودّع سفينةً تبحر بعيدًا وهو عاجزٌ عن اللحاق بها.
كان الأمر أشبه بالغرق.. لكن ببطء.. غرقٌ صامت، تُسمع فيه أنفاسي الأخيرة بينما يصرخ الفشل في وجهي: “انظري! لقد خسرتِ كل شيء!”.
لكنّ الأيام كشفت لي حقيقةً أخرى.. حقيقةً قاسيةً ومُحرِّرة في آنٍ واحد: “لا أحد سيهتم لفشلك.. لأنكِ في النهاية مجرد صورةٍ على حائطٍ متآكل، ستسقطين يومًا ليحلَّ مكانكِ شخصٌ آخر”.
اليقظة.
وهنا أدركتُ.. بأنني سأبكي وحدي.
سأبكي لأنني حملتُ عبء الفشل على كتفيّ، بينما العالم منشغلٌ بضجيجهِ اليومي وأمسياته الجميلة مع العائلة، لكنّي سأبتسم أيضًا.. لأن اللوكيميا، رغم قسوتها، منحَتني براءةً من ذنبٍ لم أُرتكبه.
براءةً من حكمٍ جائرٍ كُتبَ عليَّ منذ أن أينع عقلي بأن الخلاص واستقرار العائلة بيدي.
لكن.. ماذا بعد الصدمة؟
ماذا حين تستيقظ الروحُ من غفوتها وتُدرك أن الساعةَ الأخيرة تدقُ؟
كاميرا رقمية – 2028/12/2.
(صوتٌ هادئٌ يتردد بين أنفاسٍ متقطعة).
“واحد … اثنان…. ثلاثة”.
“مرحبًا.. أنا نِداء”.
(تَضْحَكُ بخجل).
“أعلم أن الاسم قديمٌ بعض الشيء.. لكنّه اسمُ جدتي.. الوحيدة التي كانت تُبطِّن عالمي بقليلٍ من الدفء”.
(تسكتُ لبرهة.. ثم تتنفس بعمق).
“قررتُ توثيق هذه اللحظة.. لأنها تشبه رحيل الروح.. إطارًا إطارًا”.
“أنا أموت.. لكنّي أريد لوداعي أن يكون مختلفًا.. ليس من أجل الشفقة، بل لأنّي أدركتُ متأخرةً كم كانت الحياةُ جميلة”.
(تمسكُ بمقصٍّ بيدٍ مرتعشة).
“سأحلق شعري الآن.. ليس لأن العلاج أخذه مني.. بل لأنّ الأرضَ تستعدُّ لاستقبال كلِّ ما تبقى منّي”.
(تنظر إلى خصلاتها المتساقطة وكأنها أيامها المبعثرة).
“في النهاية.. الدنيا خداعة.. تزرع فيك الأمل ثم تنسف كل شيء بضربةٍ واحدة”.
(تغلق عينيها.. دمعةٌ تسقط).
“لو عرفتُ.. لو عرفتُ أن الوقتَ سيسرقُ مني ابنتي قبل أن تسرقني أنا من الحياة.. لكنتُ صنعتُ شيئًا مختلفًا”.
“كنتُ سأسرقُ من النهار دقائقَ لأسمعَ ضحكتها.. وأخبئها في جيبي ككنزٍ لا يفنى”.
“لكنّي ظننتُ أن المالَ والمنزل سيحميها.. ولم أعلم أنَّ حضني هو حصنها الوحيد”.
(تنفجرُ بالبكاء فجأةً ثم تهمس).
“توقفي.. لا أستطيع.. كلُّ ذكرى تُنبشُ جرحًا جديدًا”.
الوداع الأخير:
عندما سقط شعري على الأرض.. سمعتُ صوتَ أحلامي وهي تتحطم!!
أحلامٌ بسيطة..
بيتٌ دافئ.. أربعةُ أطفالٍ يملؤون الغرفَ ضجيجًا.. وابنتي الصغيرة تُمسك يدي قائلةً: “ماما، لا تتركيني”.
لكنّ الريحَ حملت كلَّ شيءٍ بعيدًا.
لكن كل شيء قد تبدد….. ووداعي الأخير لم يكن ملحوظاً لطفلتي… حيث يبدو لي أن ابنتي ربما لن تحزن.. لأنّي جعلتُ نفسي غريبةً عنها، يا لبؤس نهايتي…. يبدو أن الله أراد هذا أو أنني ودون أن أشعر خَشيتُ أن يعتادوا حضني.. فتركتُهم قبل أن يفتقِدوني.
هذا ما أواسي نفسي به…. هذا ما يواسي ألمي وحزني على فراقي عن طفلتي وحزني عليها لكونها لم تستطع أن تجدني دائماً، والآن لن تتمكن أبداً…. اعذريني ياصغيرتي، لم اتمكن من تأمين حياتك والبقاء معك في آنٍ واحد… لم اتمكن من فعلها…. لقد فشلت حقاً.
(تضع يدها على صدرها وكأنها تحاول لمس قلبها).
“أنا حتى…. لم أستطعِ أن أكون الأمَّ التي حلمتِ بها.. ولم أتمكن من أن أكون الظلَّ الذي يحميكِ من حرّ الحياة لكنّي.. وهذا ما أعلمه حقاً بأنني أحببتُكِ أكثر من أي شيء ولو جمعوا لغات الحب كلّها، لرأيت أن وصف حبكِ لا تنصفه جميع اللغات لأنني أحبك أكثر من كلّ النجوم في السماء”.
النهاية…..
الموت على أعتاب الحلم.
نداء ليْلِك.
مواليد 1997/1/16.
الوفاة 2029/2/2.
تم نسخ الرابط





