قصة ردع العدوان: رعشة القيد
أن تكون سوري، يعني أنك تتنفس الكرامة، وهذا ما يمنع عنك أن تترك جسدك لقيود المستبد حتى وإن طال عهد الخلاص، قصة ردع العدوان الجزء الأول.
من الأرشيف السوري: قصة ردع العدوان “يوم الكرامة”
“لَئِن طالَ ليلُ الظالمينَ فَإِنَّنا … عَلى ثِقَةٍ أَنَّ الصباحَ قَرِيبُ
وَعَهدٌ قَطَعناهُ مَعَ اللهِ صادِقاً … بِأَنَّ حُقوقَ الصابِرينَ تُؤوبُ
وَما نَصْرُ آتٍ بَعدَ حينٍ بِمُعجِزٍ … إِذا كَانَ رَبُّ العالَمينَ يُجيبُ”
عندما ظننت أن اللظى قد خمد، وقبضتُ على الصدر المحروق بكفوف الصبر أو ـ التناسي ـ لا أعلم.
جمعتُ ببناني دموعًا صيّرت الجفون منابع. ودفنتُ رأسي في تراب الغربةِ مندفعًا؛ أبحثُ عمّا يضمّدُ جرحًا، علّه يسكّن ألم مابقي عالقًا في تلك الأرض. أو يأسرُ الذكريات ويخفض ضجيجها في رأسي.
جاءني ما ينسف محاولاتي كلها، ويُعيدني لتاريخٍ أبى أن يخرج مني رغم ما مرّ من العمر!!.
دمشق 2012
في غرفةٍ تحدّها جدرانٌ هي أقربُ للجسد من قرب أخمص القدمين للرأس. جلسَ يُربّتُ على شبابهِ وحيدًا؛ إذ تُصبح الأخيلةُ خير خليلٍ ودواء.
يُجالس الصمت ويداعب الذكرى، لترسمَ له شوارع مُضاءة، وأشجارًا ملونةً يُفضّلها على الظلام الذي يخيّم على عينيه.
يتذكر عائلته، تجمعاتهم في رمضان، أصوات الضحكات، ورائحة القهوة الطازجة التي تداعب الأنوف.
ثم خانه الخيال، وعصرَ قلبه؛ إذ حَضَرَ وجه أبيه وهو يناديه: “محمد، حان وقت الصلاة ياولدي، هيّا نصليها جماعة”.
انسابت دمعةٌ كانت قد تحجرت في مقلتيه منذ أن قبَضَ السجنُ على شبابه لا شخصه، تأمل تقرحات جروحه التي تنزف، فلا يرى منها سوى شعور البلل بفعل الدماء.
لم تكن الزنزانة مجرد جدران أربعة، كانت قبراً يتنفس بصعوبة. هناك، حيث ينمو العفنُ فوق الجلد كما ينمو اللبلاب على الأسوار، كان عروة يروضُ الوقتَ بالذاكرة. تعلم كيف يقرأ ملامح رفاقه في العتمة من خلال أنفاسهم المتعبة.
في كل ليلة، كان يغمض عينيه ليبني دمشق من جديد؛ يرمم مئذنة الجامع الأموي في خياله، ويرسمُ تفاصيل وجه أمه خصلةً خصلة، خائفاً أن تسرق الرطوبة ملامحها من ذاكرته.
كنت أشعر بما يعيشه كأنني داخل زنزانته، أراقب وجهه النحيل. جسده المرتعش، خوفه المستمر.
كان “الجلاد” يظن أنه يكسر جسده، بينما كان محمد يرحل بطلقات خياله إلى “سيران” قديم في الربوة، حيث رائحة الشواء والماء المتدفق وصوت ضحكاتنا الذي لا ينقطع. اعتقد أن هذا كان سبيله الأوحد لتجاوز وقع الألم.
كان يهمس للجدار الأصم: “لن أموت هنا، فلي في الخارج أبٌ ينتظر أن يسند ظهره على كتفي”. لم يكن يعلم أن كتف والده قد بدأت تخونه.
يخيّل إليه أن جسده مليء بالكدمات.. والرضوض، رضوضٌ في المشاعر!!.
تزوره خلسة فتوجعه، فينوبُ عنها الدعاء بالتحرر من قيد تلك الأغلال ومن رائحة العفن؛ التي لا يعرف إن كانت جراء تعفّن روحه أو رطوبة الزنزانة الضيقة تلك.
قال بصوتٍ متحشرج: “ربّنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، واعفِ عنا وارحمنا يا أرحم الراحمين”.
كررها، وأردف بصوتٍ أعلى تبعه قيّءٌ ممزوج بالدماء: “بحق من رفع السماء بلا عمد، يامن أخرجت يونس من بطن الحوت، أعدني إلى حضن والدي كما عادَ يوسف ليعقوب”.
ـ “صه، أيها الأحمق! إن لم تخِط فمك بلثام كفّك، فإنني سأدعك تتمنى لو أنك وضعت لسانك في حلقك بدلًا من خسارته!”.
بعد مَضي سنة
جاءنا الخبر الذي قصم ظهر البعير، والذي تضرعنا لله ليلًا نهار ألّا يكون.
حتى أننا تمكنّا من معرفة هذا الجواب بشقّ الأنفس، إذ أننا ولطرافة الواقع! لا يحق لنا السؤال على هذه الأرض، وإن تساءلت في نفسك، تسمع صوتًا يَقل لك: “صه… الجدران لها أذان!”.
وكما يُقال دائمًا: الخارج من السجن مولود، والداخل فيها مفقود!.
كنّا على الأرائك جالسين، ننتظر بلهفةِ عاشق خبرًا يداوي الروح. بعد أن خُلع فؤادنا فما عاد شيء يربّت عليه.
بين يدي والدي مِسبحة، يمررها بين أنامله ويُسبّح بحمد الله عند كل خرزة. وأمي تُجالسُ الصمت وتَسرد له حكاية المخاض، تستذكر تلك الويلات والآهات، وانفراجة الأسارير عندما بَشّرتها القابلة قائلة: “إنه ولد…. هنيئًا يا أبا عروة، ها قد أتاك عروة!”.
تتأمل حجرها كمن ينظر لواقعٍ لا خيال، تحرك يديها في الهواء وكأنه جالسٌ فيه الآن، تقول له: “يا ولدي، أما كفاكَ غياب؟”.
تنوحُ وينتفض جسدها كعصفورٍ ذبيح، تعيش الآن مخاضها مجددًا بفعل الأخيلة. وأكثر ما كنت أتعجب له، أن تلك الذاكرة لم تصدأ بعد!.
وصل الرجل المنشود. انتفضت أجسادنا آملين أن نسمع خبرًا يرطب قلوبنا التي جفّت من القهر. نظرنا إليه والعيون تُرسل رجاء.
قالها بصوتٍ متحشرج والعرق يتفصد منه. أو ربما كانت دموع! لا أعلم. كل ما أعرفه أننا وبعد أن نطق بها لسانه تمنيت لو أنني خَلعته من جوف حلقه حتى يصمت.
صرختُ بأعلى صوتي: “أنت كاذب، عروة لم يمت!”.
لم أدرِ إن كنتُ أنا الغائبة عن الوعي أم أمي التي ارتمى جسدها على الأرض، أو والدي الذي كَتمَ صوته رغم أن نحيبه المخفي يزلزل المكان.
كان كمن يحاول إيقاف خنقة عَلقت في حنجرته. عيناهُ تتقدان جمرًا وتغصان بالدموع، يقاوم جسده بشتى الوسائل ليبقى كما عهدنا. عِمادًا ثابتًا وسندًا لا يميل.
ثم بدأت الخيانة الأولى؛ رأيتُ سبابته اليمنى ترتجفُ اهتزازةً خفيفة، لم تكن رعشة برد، بل كانت روحه تحاولُ أن تنفضَ عنها غبار الفجيعة.
ثم انتقل ذلك “الارتعاش الصغير” إلى كفّه بالكامل؛ كفّه التي كانت تضبط إيقاع حياتنا، باتت الآن عاجزةً عن الاستقرار، تخفقُ فوق ركبته كجناحٍ يقاوم كسور تصرّح بالعجز.
حاولَ أن يغلق قبضته ليحبس الوجع، لكنَّ أصابعه تمردت عليه، وكأنَّ القيود التي كبلت وحيده في زنزانته قد استنسخت نفسها في أعصابه. كان ذلك اليوم هو الولادة الحزينة لـ “شلل الرعاش”؛ المرض الذي لم يأتِ من شيخوخةٍ، بل جاء من قهرٍ فاقَ احتمال الجسد.
منذ تلك الرشفة المرّة من خبر الموت، وأبي يسقط في بئر الجمود، تاركاً ليده مهمة واحدة: أن ترتجف بانتظارِ بعثٍ لا يأتي، وبجانبه تلك المسبحة التي انفرط عقدُ صبرها، وضمادٌ سيغطي لاحقاً جراحاً بدأت من الروح قبل أن تصل إلى الجسد.
إنها غربة الجسد عن الروح، تُصبح فيها كما الميت. بفارقٍ واحد!
أنه فقد روحه وغفا جسده، بينما أنت بقي جسدك والروح غادرتك وأنت حي!!
يتبع…
الجزء الثاني: قصة ردع العدوان: حين أزهر الرصاص كرامة.
تم نسخ الرابط





