إعلان - Advertisement

قصة بعنوان “رُزقت طفلاً وأنا عقيم”

يمر الشخص في حياته بالعديد من المواقف، ولكن أعتقد أن أصعب موقف مر بي هو أنني رزقت طفلاً وأنا عقيم، كيف كان شعوري حينها؟ هذا ما ستعرفونه عبر السطور.

رُزقت طفلاً وأنا عقيم

“ابني يريد التعرف عليكِ” هذه الجملة كانت كفيلة أن تغير مجرى حياتي بالكامل، والتي بدأت منذ سنوات عدة، فأنا الآن في العقد الرابع من عمري، والذي قضيت باعاً كبيراً منه أجول بين الأطباء باحثة عن حل لمشكلة العقم التي أعاني منها.

أعلم أن الله عز وجل يمُن علينا دوماً بالنعم وأن كل شخص في هذه الدنيا يحصل على حقه كاملاً منها، لكنني كنت أطمع في أن يكون لدي ابن أو ابنة أشبع من خلالها غريزة الأمومة التي باتت تؤلم صدري كل يوم يمر دون أن أسمع عبارة “مبارك، أنتِ حامل”.

سنوات عدة وأنا أتناول الكثير من العلاجات والأدوية التي ترهق بدني دون جدوى ولكنني لم أيأس، إلى أن أخبرني أحد الأطباء أنه لا داعي للقيام بكل تلك المحاولات، لأنها حتماً ستبوء بالفشل، لأنني أعاني من ضمور في الرحم يمنعني من الحمل حتى وإن لجأت إلى الحقن المجهري أو أطفال الأنابيب.

في حقيقة الأمر لم يكن حزني فقط لأنني لن أصبح أماً في يوم من الأيام، ولكن الخوف تسرب إلى قلبي، ترى ما الذي ينتظرني عندما يعلم زوجي بذلك؟

وأمام تورم عيناي من البكاء أصر زوجي على أن يعلم ما وصلت إليه محاولاتي، لأنني في كل مرة كنت أذهب إلى الطبيب كنت أرفض مجيئه معي، أملاً في أن أعود يوماً إليه حاملة بين يدي اختبار الحمل الإيجابي، فأخبره أنه سيصبح أباً.

وضعت رأسي على صدره وأنا أبكي بحرقة وكأن الحروف لا يمكنها وصف ما أشعر به، لذا لم أنطق بكلمة واحدة، شعرت بعبرات عينه تنساب على وجهي، لقد عرف ما أود إخباره به، يبدو أنه حاول التماسك كثيراً لكن أبت عيناه ذلك.

مرت عدة أيام وأنا أهرب من محاولات التحدث معه حول هذا الأمر، فأنا لا أريد أن أرى في عينيه أنه يود أن يصبح أباً، ولكن من زوجة أخرى، أعلم أنني أنانية إلى حد كبير فيما أشعر به، ولكن عشقي له يحتم عليِّ.

كيف لا أعشقه وهو الأب والحبيب والصديق وكل شيء في الدنيا بالنسبة لي، لا يمكنني تصور أن يكون بين يدي امرأة أخرى، تطهو وجباته، تحضر له ملابسه، تشاركه أنفاسه، ويكون لها مكانة في قلبه، لا لا أطيق حتى ذكر ذلك، قلبه لي، لي وحدي.

ليالٍ طويلة قضيتها في التفكير العميق وزوجي صامت ولكن عيناه تتكلم كلما لمحتني، مما ساعدني في أن أبوح بالحل الذي توصلت إليه، فقد ظننت أنه سيكون مثالياً لزوجي مثلما شعرت أنه الحل الأمثل لحالتي.

  • ما رأيك في أن نقوم بتبنّي أحد الأطفال؟
  • ولماذا لا أتزوج وأنجب؟

كانت هذه العبارة كالصاعقة التي نالت من قلبي، فما كان مني إلا أن قلت له:

  • طلقني.
  • لماذا أطلقك؟ أنا أحبك ولكنني أريد أن يكون لي ابن.
  • أخبرتك أنه يمكننا تبنّي طفلاً.
  • لماذا أتبنّى طفلاً بينما يمكنني الإنجاب.
  • هل تدرك ما تقول؟ هل تعلم ماذا سيحدث لي إن تزوجت من أخرى؟
  • لن أتزوج بدافع الحب أو غيره، تأكدي أن هدفي من ذلك الزواج سوف يكون الإنجاب فقط.
  • لا تستخف بعقلي، وتتحدث كأن الإنجاب سيكون لاسلكياً، أتدرك معنى كلمة ستتزوج؟!

بدأت أصواتنا في الارتفاع، فما كان من زوجي إلا أن ترك المنزل، ظناً منه أنه سيعود ليجدني وقد هدأت قليلاً مثلما يحدث في كل شجار، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً، فما إن ترك زوجي المنزل، ذهبت إلى منزل والدي وأخبرته بكل ما حدث، وطلبت منه أن يخبر زوجي أنني أريد الطلاق.

تحدث زوجي مع والدي وأخبره أنه يحبني كثيراً ولكنه يود أن ينجب، تارة يحاول أبي إقناعي بزواج زوجي، وتارة يشفق عليّ وعلى ما أشعر به، وينتهي بنا المطاف إلى: إن كان في الطلاق نجاة قلبك فافعلي ما تريدين.

وأنا أقول في قرارة نفسي لا أريد، لا أقوى على فراقه، ولا أقوى على أن تشاركني فيه أخرى، آااه من النار التي أُكوى بها، شهرين كاملين وأنا في تلك الحيرة، إلى أن أتى زوجي إليّ طالباً عودتي إلى المنزل، وأخبرني أنه سوف ينسى تماماً قصة الإنجاب، وسأكون أنا ابنه وابنته وكل ما له.

لا أخفيكم أمراً كنت سعيدة للغاية بتلك الكلمات، رغم شعوري بأنني شخص أناني لا يفكر إلا في نفسه، لكنني سرعان ما عللّت ذلك بأنني أحبه ويحق لي أن أكون أنانية فيه حد الامتلاك.

خمس سنوات مروا كما لو أنهم رمشة عين، صدق من قال إنه لا شيء أسرع من الوقت، لا أتذكر أنني وزوجي طوال هذه الفترة ذكرنا أمر الإنجاب ولو حتى بشكل غير مباشر، لكن في نهاية هذه الفترة بدأ زوجي في التأخر كثيراً خارج المنزل، وعندما كنت أسأله، كان يعلل ذلك بانغماسه في العمل ليوفر لنا المستوى المعيشي المستقر، كنت أشعر أن ثمة أمر آخر وراء ذلك التغيب، لكنني لم أكترث، ربما يجلس على المقهى مع أصدقائه ولا يود إخباري، فهو يعلم أنني لا أرغب في أن يشارك وقته أحد غيري.

وفي يوم من الأيام، وبينما أشاهد التلفاز بعدما أعددت الطعام، إذا بصوت مفتاح زوجي يعلن قدومه، ذهبت إليه مسرعة لأقبّله كالمعتاد، لكن هذه المرة لم يكن بمفرده لأفعل ذلك، مَن هذا الطفل الذي يُمسك يده، هل هو ابن صديق له، أما أنه طفل فقد طريق العودة إلى منزله وأتى به زوجي إلى هنا إلى أن يتوصل إلى أهله، فهذا الطفل لم أره من قبل، لكن ملامحه الجميلة التي تشبه زوجي إلى حد كبير جعلتني أقُبله أولاً ثم ألتفت لزوجي وأسأله: مّن هذا الطفل الجميل؟

  • لن أخبرك مادمتِ لم تُقبليني قُبلة العودة بعد، قّبلته وعلى ما يبدو أن فضولي قد ظهر حتى في القبلة التي طبعتها على جبينه، فقال لي: ابني يريد التعرف عليكِ.
  • هذا ليس وقت مزاح، مَن هذا الطفل؟
  • إنه ابني، أنا لا أمزح، اجلسي وسأشرح لكِ.
  • تشرح لي ماذا؟ هل أنت متزوج من غيري طوال هذه السنوات وأنا لا أعلم.
    طلب من الطفل أن يذهب إلى الداخل كي نتحدث سوياً دون أن يرانا، لكنني أخبرته أن ذلك الطفل لن يذهب إلى أي مكان دون أن أعرف من هو.
  • أخبرتك أنه ابني، لكنكِ لا تعطيني فرصة للتحدث، دعيني أشرح لك، ولكن ليس أمام الصغير الذي فقد أمه منذ أقل من شهر.
  • فقد… أمه، أنا لا أفهم شيئاً.
  • اهدئي، وسأشرح لكِ كل شيء.

أكثر من ساعتين كاملتين وزوجي يحاول أن يشرح لي أنه أمام رفضي لزواجه من أخرى لم يكن لديه خيار سوى القيام بذلك سراً، وأنا لا أدري كيف لم أشعر طوال هذه السنوات، نعم كانت هناك بعض من التصرفات الغريبة التي كان يقوم بها زوجي، لكنني لم أفكر البتة أنها تخفي زواجاً سبق لي أن رفضته.

كيف لم ألحظ أن في حياته امرأة غيري، والدة ابنه الذي لم يتجاوز أربعة أعوام، تلك التي توفاها الله منذ عدة أيام تاركة لي خبر زواج زوجي وإنجابه، تُرى إن كانت على قيد الحياة الآن متى كنت سأعلم أنك متزوج ولديك ابن؟
يبدو أنه ليس لديه إجابة سوى الدمعات التي سالت من عينيه، فسألته:

  • هل هذا البكاء لفقدانك زوجتك الثانية، أم لما وصلنا إليه؟
  • أُقدر شعورك، لكنها كما قلتِ أم ابني، تركته يتيماً ورحلت، والله ما كنت لأتزوج سوى لأنني كنت أحتاج إليه، وربما أنتِ أيضاً.
  • ماذا تقول؟ لماذا أحتاجه، إنه ليس ابني.
  • لا أدري أين أتركه، فقد أمه، ولا أريده أن يفقد أباه أيضاً بتركي له لدى أحد الأقارب، هل تمانعين أن يعيش معنا، أخبرته عنكِ الكثير، مما جعله يود التعرف عليكِ، لا تكسري بخاطره، أرجوكِ.

سيل من المشاعر المتضاربة نال من قلبي، قلبي الذي تهشم لزواج زوجي، وفي الوقت ذاته يشعر بالحزن لما وصل إليه، وذلك الطفل الذي لم يفعل شيء لأكرهه، سوى أنه ليس من بين أحشائي كما كنت أتمنى، دلني يا الله ماذا أفعل.

بينما أنا غارقة في التفكير، إذا بهذا الصغير أمامي، ينظر إليّ بعين خجولة ويقول لي: ماما، أنا جائع، قالها كما لو أن أنامله الصغيرة شقت أضلعي لتلامس قلبي بحنان لم يعهده من قبل، فما كان مني إلا أن عانقته عناق الأم لابنها وأنا أبكي على حالي وحاله معاً.

قمت بتحضير الطعام له وبدأت في التحدث إليه، شعرت كما لو أنني أعرفه منذ أن وُلد، لا بل كما لو أنني أنا من أنجبته، إنه يشبه زوجي كثيراً، ليس فقط في الشكل، ولكن في الملامح أيضاً.

مرت الأيام وبكل يوم يمر كان ذلك الصغير يحتل جزءً من قلبي إلى أن صار قلبي بأكمله ملكاً له، لم أعد أفكر أبداً أنه كان من زوجة أخرى لزوجي، ولاحظ زوجي تعلقي المفرط بابننا الذي أصبحت عيناي لا تغفو إلا وهو بين أحضاني.

جاء محمد ليكون ابني، نعم، رزقت طفلاً وأنا عقيم، إنها رحمة من الله أشكره عليها كل ليلة وأدعوه أن يغفر لوالدته وأسأل الله أن أكون خير أم له وأن يجعله باراً بي وبوالده، أحياناً تأتي النعم من أبواب لم نكن أبداً نتخيلها.

تم التدقيق بواسطة: فريال محمود لولك.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

مروة جمال أحمد

بالرغم من أنني خريجة قسم الترجمة الإنجليزية إلا أن ذلك لم يحُل بيني وبين عشق اللغة العربية بكافة معانيها، ولذلك فأنا مروة جمال كاتبة المحتوى بمنصة برو عرب.