إعلان - Advertisement

خاطرة بعنوان “زيارة مفاجئة لأمي”

شعرتُ ذات ليلة بأن الهموم قد ثُقلت على عاتقي ولم أعد أحتمل، لذا قررت القيام بزيارة مفاجئة لأمي، وحدها التي تُخفف عني الحمل وتُعنيني استكمال مسيرتي.

زيارة مفاجئة لأمي

قُبلة صغيرة طبعتها صغيرتي على جبهتي قبل أن تذهب إلى رحلة الأحلام بسريرها الدافيء، جلستُ أتأمل وجهها البريء لبُرهة، لأنني أعلم أني سأشتاق لهذه الملامح بعد قليل إن لم يغلبني النعاس.

فقد كنت أشعر أن الهموم تتراقص في رأسي وتحول بيني وبين الحصول على قسط من الراحة لأستطيع تأدية مهام الغد بقدر من النشاط.

لذا منحت جسدي المنهك الفرصة في نيل دقائق من الاسترخاء على السرير، وبينما كنت أحدق في السقف، وجدتُ حشرة صغيرة تحوم حولي.

وأمام إرهاقي، استسلمت لمداعبتها لي دون أن أُحرك ساكناً، خاصة وأنها تُشبه الفراشة الصغيرة، ربما أتت من الشرفة حيث الزروع والأزهار الجاذبة لمثل هذا النوع من الحشرات.

وبينما كانت تقترب مني هذه الحشرة الطائرة، لم أستطع كتمان الضحك إثر تذكُر الخرافة المصرية التي تُشير إلى أن مثل هذه الحشرة لا يجب قتلها، لأنها تُعبر عن روح أحد المتوفين، وقد جاءت لزيارة أهل البيت.

قد لا يستدعي هذا الموقف أن أضحك بهذه الطريقة، لكن كان بداخلي حزن دفين يأبى الظهور، لذا حاولت كتمانه بضحك مرتفع الصوت، لعله يُسكت ضجيج عقلي.

لا أدري ما الذي كنت أحتاجه حينها، لكن كل ما أتذّكره أنني قررت زيارة أمي في الغد، فأنا في حاجة إلى دعمها كما تفعل دائماً.

ولا أخفي عليكم خبراً، ذلك القرار جعل قلبي يهدأ، فغفوت وأنا أنتظر قدوم الصباح للذهاب قبل ازدحام الطرق.

مرّت الساعات، واستيقظت من نومي باكراً، حدّثت نفسي: “لمَ لا تصطحبين ابنتك هذه المرة؟ أما آن الأوان لتتعرف على جدتها؟ حسناً، حسناً، في المرة القادمة إن شاء الله”.

أمسكت بهاتفي كي أتصل بأمي، أخبرها بأنني قادمة لزيارتها وأسألها إن كانت في حاجة إلى أي شيء أشتريه لها قبل الوصول إلى منزلها، ولكن قاطع فكري رؤية هذه الحشرة مجدداً، فصرت ألاحقها إلى أن اختفت عن ناظري.

تناولت قهوتي على عجل وارتديت ملابسي، هذا الطاقم الذي تُحبه والدتي، أعتقد أنها قد ملّت من رؤيتي مرتدية إياه، لكن لا بأس.

وضعت نظارتي وخرجت من المنزل بهدوء أود أن يسكن عقلي وقلبي ولو ليوم واحد، ولكن وسط كل هذه الفوضى، كان فؤادي سعيداً بهذه الزيارة التي لم يتم الترتيب لها.

وقفت أمام الباب الحديدي القديم، تنفستُ ببطء شديد، لم تتغير رائحة المكان منذ المرة الماضية: “السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية”.

هُنا في هذا المكان أهرب من هموم الدنيا ومصائبها، أجلس بجوار أمي، أحكي لها عما يرهق فكري، أشعر أنها تسمعني، تُخفف عني وإن لم أسمعها، قد تخونني العبرات اشتياقاً لها، لكنني لا أذهب إلا عندما أشعر بالسكينة قد سكنت فؤادي وانشرح صدري.

هذه المرة كنت مهمومة إلى الحد الذي جعلني أحتضن المدفن كما لو أنني أحتضنها، كنت أسرد لها كل ما يجول في خاطري بدون تفكير، وأتمنى لو أن يدها الحنونة تمتد فتربت فقط على كتفي.

ولكن سرعان ما عدت إلى رشدي ووقفت مبتسمة أمام قبرها، أشعر بأن نسيم رقيق يمر من فوق التربة وكأن أمي تبتسم لي أيضاً.

وقتها أردت أن أُريها أنني أرتدي القطع التي تحبها، ولا أضع مستحضرات التجميل، لأنني أجمل من دونها كما كانت تخبرني دائماً، ثم دعوت الله أن يتغمدها في رحمته، وألقيت عليها السلام.

لم أكن أود الذهاب، لكن هذه هي سُنّة الحياة، رغم فقدان الأعزاء في حياتنا، تستمر المواقف الحياتية، وتستمر أعمالنا دون تغيير.

وغداً سنكون بجوارهم، ويزورنا صغارنا بدون اتصال مُسبق، عندما تضيق بهم الدنيا بما رحبت، ثم يرحلون عنا متوجهين إلى حياتهم، نرجو حينها أن يكونوا ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ولد صالح يدعو له”.

عدت إلى منزلي، لأجد صغيرتي قد استيقظت وبدأت عجلة اليوم في الدوران كالمعتاد، لكن أين الحشرة؟ لا أعلم، ربما تعود لتزورنا مرة أخرى، كرسالة صغيرة من العالم الآخر.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

مروة جمال أحمد

بالرغم من أنني خريجة قسم الترجمة الإنجليزية إلا أن ذلك لم يحُل بيني وبين عشق اللغة العربية بكافة معانيها، ولذلك فأنا مروة جمال كاتبة المحتوى بمنصة برو عرب.
زر الذهاب إلى الأعلى