إعلان - Advertisement

زيارتي لـ الساحل السوري بعيداً عن العدسة

بدأ الأمر بزيارة، ثم انتهى بإقامة دائمة، تجربة زيارتي لـ الساحل السوري حورية سوريا التي لا تموت، رؤيتي بعيداً عن العدسة، ومن قلب المنازل الريفية.

زيارتي لـ الساحل السوري: ماذا وجدت عندما خرجت عن المسار المطروق؟

هل صادفت يوماً امرأة بأنامل خشنة تخبز على التنور، ثم تناولت فطائرها التي تعبق برائحة طُهرها وطيبتها؟

هكذا كانت رحلتي أثناء تواجدي في الساحل السوري بصفة زائرة، ثم نازحة، ثم مُقيمة… الأمر في البداية كان غريباً نوعاً ما، إذ كنا نتشوّق للخروج من حلب وحصارها والوضع المأساوي الذي نعيشه.

لذا قررنا خوض تجربة جديدة من نوعها، زيارة بسيطة للساحل السوري وتحديداً لمدينة اللاذقية، ومنها نأخذ قرارنا النهائي في البقاء أو العودة.

بعد وصولنا، قمنا باستئجار منزل صغير في الريف “اللاذقاني” وبما أننا سبق لنا أن ترعرعنا بين مختلف الأطياف السورية، وجمعتنا روابط أخوة من أثداء الأمهات المختلفة، فإننا كنا قابلين للتأقلم مع أي مجتمع كان.

لكن الرحلة هنا مختلفة…. والمفاهيم جميعها كانت غريبة نوعاً ما عندما انقلبت رأساً على عقب، شعب الساحل العريق، والذي برؤيتي الخاصة كان “مضروب بحجر كبير” على عهد النظام، فقد كان يحمل تعريفاً آخر، بعيداً عن السلطة والصورة التي تصدرت المشهد بسبب حفنة من “المعتوهين”.

فحوى هذا التعريف كان “الطيبة” و”حوّل تنشرب متة”

دعني أخبرك بالتفصيل عما أرمي إليه، تخيّل أن تصل لمكان يتمتع بمناظر طبيعية يمكنه من خلال السياحة فقط والمشاريع الاستثمارية أن يكون أقوى محافظة، ولكنه يُعاني من غياب تام للمشاريع الاستثمارية لكونها كانت تشكل تهديد لنظام قائم على سياسة “التجويع من أجل التطويع”؟.

ستصاب بالإحباط، لكثرة المشاهد المأساوية التي ستراها، وفي المقابل سينشرح صدرك مع تلك الأخلاق والطبيعة التي صُقل عليها عامة الشعب…. الصبر والجبروت!!.

لقد عانى أهل الساحل من الفقر الذي نخر عظامهم، ولكنهم ورغم كل هذا، لم يبخلوا ولو لحظة أن يفتحوا منازلهم للنازحين من مختلف المناطق، في البداية كان الأمر غريب بالنسبة لهم بسبب الصورة التي صدّرها أيضاً المشهد السوري لهم حول المناطق الأخرى.

ولكن وبفترة قصيرة، تمكن الجميع من خلق جو يسوده الألفة والمحبة، وجلسات الـ “المتة” التي لا تنتهي.
كُنت أشاهد نظرات الاستغراب تعلو وجوه أهل القرية التي أقطن بها، عندما أمر ولا أرمي السلام!!.

تعجبت في البداية ولم أفهم أن “السلام” عليه أن يكون لنسوة الحي حتى وإن كنت لا أعرفهنّ، بل ومن الممكن أن أرمي السلام على عم “أبو علي” صاحب “الدكانة” التي أشتري منها.

وهذا الأمر واجب لتعلّم أداب احترام الجيران وأهل المنطقة…. ثم بدأت رحلتي تدخل في منحى آخر، إذ أصبحت الخالة “أم سليمان” هي أم “الفطائر الشهية” و”خبز التنور” الذي أشتهيه كل فترة وأحب أن أتذوقه بيديها الممتلئة ذات الخطوط التي مرّ عليها عمراً من الكدّ والتعب، كما أنك ستجد تلك “الخبزة” تحمل رائحة طيبة يصحبها سؤال عن الحال والأهل وجملة “الله يحميكن وا أمي”.

عندما تزور الساحل السوري

نصيحتي لك، إن زرت الساحل السوري، لا تنسَ احتساء القهوة من الأكشاك التي تتوزع على أطراف طريق “رأس البسيط” و”زغرين”، ثم يمكنك أن تستمتع بمناظر خلابة عند سد “بللوران”، ولن يضرّك أن تكمل مسيرك إلى منطقة “كسب” وفي طريقك تأكل “الذرة” الساخنة من عند “عم أبو حيدر” ثم تمر على قرية “السمرا” حيث تمت صناعة أجمل مسلسل سوري كوميدي بسيط “ضيعة ضايعة”.

وإن أردت أن تحوّل مسار رحلتك إلى المدينة، يمكنك زيارة “فينتي” لتناول أشهى الحلويات لتستمتع بطعم الكريمة الشهي، ثم وبالتأكيد عليك أن تطأ بقدميك ” شارع سبيرو” هناك حيث وطأت أقدام الكثير من الطلاب تاركين فيه ذكرياتهم التي لا تشيخ.

أتعلم ما الذي ستجده أيضاً؟

سينقبض صدرك لرؤية المنازل المهدمة، الطينية، أو تلك التي لا تزال قيد الإنشاء وبداخلها سكّان عاشوا فيها على قيد العمر!!
لم ينتظروا حتى إنهائها لشحّ القدرات المادية، ولكن الجلسات فيها وتناول “صحن المكدوس” و”القريشة” ستُشعرك بالثراء (ثراء الروح والنفس).

واستحلفك أن تشرب المتة مع من يصرّ عليك أن تشاركه إياها، قد تكون لا تعرفه ولكن لا بأس، المتة وسيلة ألفة وتوطيد للعلاقات، يتشاركها العامة مع “البزر” لجعل الأمسية أجمل.

قد تجد بعض الأشخاص ممن يستقلون معك المركبة العامة للنقل ويحملون الفطائر، أو السندويتشات، أو حتى الخبز، يعرضون عليك أن تأخذ قطعة، وهذا من خصال الكرم التي لديهم حتى مع الغرباء.

ستجدهم يجتمعون في القرى عندما يخيّم الليل على الأجواء، ويستمعون لعتابا “وفيق حبيب” أو “ثائر العلي” وغيرهم، ويتبادلون الضحكات التي تشعرك أن “سوريا بخير”.

ثم قد يُثير استغرابك رؤية امرأة مسنة ترى أن الجلوس على النافذة كل يوم واجب وطني، أو عمل يومي تمارسه لتعرف تفاصيل أبناء الحي وما لديهم من أخبار!!.

لا بأس… هذا أيضاً من فرط البساطة وقلة النشاطات التي يمكن للمسنين ممارستها، ستستمع باللهجة الساحلية التي تحمل معها رمال الجبل ورائحة الشجر، وعمراً من الألم الذي انفجر لينبثق عنه القوة.

هذا هو الشعب الساحلي وجمال لهجتهم واستخداماتها “عيني ربك” “وا عيني هنت” و”مشتقلك ياقلب”….
كلمات تحفر في قلبك لا عقلك… وبساطة تخطف كل جزءٍ منك، هذا ما يجعلها أجمل محافظة ساحلية لأنها تجمع بين المناظر الطبيعية الخلابة وقلوب معتّقة بالطيبة، ونفوس عزيزة، وبساطة تعيدك إلى زمنٍ كنت فيه بخير.

والآن أخبرني، هل جربت أن تزور الساحل السوري وتحديداً اللاذقية؟
اطلعني على تفاصيل رحلتك بالتعليقات.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

فريال محمود لولك

الكتابة هي السبيل للنجاة من عالمٍ يسوده الظلام، ننقل بها سيل المعلومات لتوسيع مدارك القارئ المعرفية، أنا فريال محمود لولك، من سوريا، خريجة كلية التربية اختصاص معلم صف، وكاتبة منذ نعومة أظفاري، من وحي المعاناة وجدت في الكتابة خلاصي، ورأيت بها نور الله الآمر بالعلم والمعرفة، فاقرأ باسم ربك الذي خلق. فإن القراءة هي الطهارة لعقلك من كل جهل.
زر الذهاب إلى الأعلى