ما سبب نزول سورة الأحقاف (القصة بشكل مختصر)
صنف العلماء القرآن الكريم من حيث النزول إلى قسمين، قسم نزل ابتداءً دون سبب، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال، تعرفوا على سبب نزول سورة الأحقاف باختصار.
سبب نزول سورة الأحقاف
نزلت سورة الأحقاف متفرقة في مكة المكرمة في عدة مواقف وأحداث، وفيما يلي أسباب نزول آياتها كما وردت في كتب التفسير:
سبب نزول الآية التاسعة من سورة الأحقاف
تعرض المسلمون خلال فترة العهد المكي من السيرة النبوية للتعذيب والإيذاء من أهل قريش، فلما اشتد بهم البلاء، رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنام أنه يهاجر إلى مدينة ذات نخل وشجر وماء، فلما قص الرؤيا على أصحابه استبشروا خيراً وتأملوا في هذا الفرج الذي سينجيهم من العذاب الشديد.
إلا أنهم مكثوا برهة ولم يروا ذلك، فسألوا رسول الله: “متى نهاجر إلى الأرض التي رأيتها؟”، فسكت رسول الله، فأنزل الله تعالى قوله الكريم من سورة الأحقاف قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ.
سبب نزول الآية العاشرة من سورة الأحقاف
عن عوف بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: “انطلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم؛ فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله: (يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يحط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه)، فسكتوا فما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم فلم يجبه أحد ثم ثلث فلم يجبه أحد.
- فقال رسول الله: “أبيتم فوالله إني لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا النبي المصطفى آمنتم أو كذبتم” ثم انصرف وأنا معه، حتى إذا كدنا نخرج؛ فإذا رجل من خلفنا ينادي: “كما أنت يا محمد”.
- فأقبل وقال مخاطباً اليهود: “أي رجل تعلموني منكم يا معشر اليهود؟”.
- قالوا: “والله ما نعلم فينا رجلاً كان أعلم بكتاب الله ولا أفقه منك ولا من أبيك قبلك ولا من جدك قبل أبيك”.
- قال: “فإني أشهد أنه النبي الذي تجدون في التوراة”.
- قالوا: “كذبت”.
ثم ردوا عليه وقالوا فيه شراً، فقال رسول الله: “كذبتم لن يقبل قولكم أما آنفاً فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم ولما آمن كذبتموه وقلتم فيه ما قلتم فلن يقبل فيه قولكم”، فخرجنا ونحن ثلاثة، رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -وأنا وعبد الله بن سلام، وكان هذا الموقف سبباً في إسلامه، ثم أنزل الله تعالى قوله الكريم من سورة الأحقاف قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
سبب نزول الآية الحادية عشر من سورة الأحقاف
نزلت هذه الآية في كفار قريش الذين كانوا يقولون لو كان هذا الإسلام خيراً ما سبقنا إليه الفقراء والعبيد، ووردت عدة روايات فيمن من الفقراء نزلت به الآية، فقال البعض أنها نزلت في جارية سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- التي كانت تسمى زنيرة، وكان عمر يعذبها على إسلامها حتى يفتر، فكانت قريش تقول: “لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زنيرة”.
وقيل أنها نزلت في سيدنا أبو ذر الغفاري وقبيلته من بنو غفار الذين أسلموا وكانوا فقراء، فلما رأت قريش أنه لا يدخل في الإسلام إلا الفقراء والمستضعفين أنزل الله تعالى قوله وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ.
سبب نزول الآية الخامسة عشر من سورة الأحقاف
نزلت هذه الآية الكريمة في الصحابي الجليل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، وذلك لأنه صحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ابن ثماني عشرة سنة، وكان رسول الله ابن عشرين سنة، وفي رحلة تجارية لهم إلى بلاد الشام، نزلوا منزلاً فيه سدرة، فقعد رسول الله في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين، فسأله الراهب: “من الرجل الذي في ظل السدرة؟”.
- فأجاب أبو بكر: “ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب”.
- قال الراهب: “هذا والله نبي، فما استظل تحتها أحدٌ بعد عيسى بن مريم إلا محمد نبي الله”.
فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق برسول الله، فكان لا يفارقه في أسفاره وحضره، فلما نُبئ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ابن أربعين سنة، وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة؛ أسلم وصدق رسول الله، فلما بلغ أربعين سنة قال: “رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي”، فنزلت الآية الكريمة من سورة الأحقاف: “حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ”.
سبب نزول الآية السابعة عشر من سورة الأحقاف
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن هذه الآية الكريمة وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، إذ أسلما والديه وأبى هو أن يسلم، فكانا يأمرانه بالإسلام ويكذبهما ويقول لهما: “فأين فلان وأين فلان” يعني مشايخ قريش ممن قد مات.
ثم أسلم بعدها عبد الرحمن فحسن إسلامه، ونزلت في توبته الآية التاسعة عشر من السورة وهي وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، لكن السيدة عائشة بنت أبي بكر (أي أخت عبد الرحمن) أنكرت هذا وقالت: “ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن؛ إلا أن الله أنزل عذري”، وقالت: “بل نزلت في فلان وسمت رجلاً”، وقال الحافظ ابن حجر: “ونفي عائشة أصح إسناداً وأولى بالقبول”.
سبب نزول الآيات (29-32) من سورة الأحقاف
نزلت هذه الآيات الكريمة في قصة ذهاب سيدنا محمد مع زيد بن حارثة إلى مدينة الطائف لدعوتهم إلى الإسلام، بعد أن يأس سيدنا محمد من إستجابة قريش له، إلا أن أهل الطائف لم يستجيبوا له أيضاً، بل آذوه وألقوا عليه الحجارة أثناء خروجه من الطائف حتى سالت الدماء من قدميه الشريفتين، فحزن رسول الله حزناً شديداً، وخلال عودته إلى مكة المكرمة وصل إلى مكان يسمى (وادي الجن).
فبدأ بتلاوة القرآن الكريم في جوف الليل، وكانت طائفة من الجن يمرون من هناك، فلما سمعوا قراءة النّبي للقرآن أصغوا إليه؛ وقال بعضهم لبعض: “اسكتوا وأنصتوا”، فلما أتمّ رسول الله تلاوته آمنوا به، وأتوا قومهم كرسل يدعونهم إلى الإسلام، فآمن لهم جماعة، وأتوا جميعاً إلى النّبي فعلّمهم الإسلام، وكان إيمانهم جبراً لقلب النبي، فالله أرسل إليه قوماً من الجن يؤمنون به بدلاً من الإنس الذين لم يستجيبوا له، فنزلت الآيات (29-32) من سورة الأحقاف وكذلك آيات سورة الجن لتروي هذه الواقعة.
التعريف بسورة الأحقاف
هي سورة مكية في رأي أغلب المفسرين، إلا أن بعض المفسرون يرون أن الآيات (10 و15 و35) مدنية، وقد نزلت الأحقاف بعد سورة الجاثية وقبل سورة الذاريات، وهي تعد من المثاني، وتقع في الجزء السادس والعشرون من المصحف الشريف، وترتيبها به هو السادس والأربعين، وتتألف السورة من خمس وثلاثين آية كريمة، وسميت بالأحقاف لذكر الأحقاف بها ضمن قصة قوم عاد التي وردت بالسورة الكريمة، ليس لها أسماء أخرى.
المصادر: جمهرة العلوم + تسهيل فهم وتدبّر القرآن + هدى القرآن + المكتبة الشاملة + إسلام ويب.





