ما سبب نزول سورة الحجرات (القصة بشكل مختصر)
سورة الحجرات هي سورة عظيمة تتضمن العديد من الأوامر والنواهي من الله تعالى إلى عباده المؤمنين في العديد من المواقف والمناسبات، تعرفوا على هذه المواقف وعلى سبب نزول سورة الحجرات.
سبب نزول سورة الحجرات
نزلت سورة الحجرات متفرقة في المدينة المنورة في أواخر عهد رسول الله بها، وقد كان وراء نزول آياتها المختلفة عدة مواقف ووقائع تستدعي التدبر والفهم والتعلم، إليكم أسباب نزول آيات سورة الحجرات:
سبب نزول الآية الأولى من سورة الحجرات
نزلت هذه الآية الكريمة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ بسبب وقوع خلاف بين الصحابيين الجليلين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-، وكان ذلك في العام التاسع من الهجرة وهو عام الوفود، فقد توالت فيه الوفود إلى سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- لإعلان إسلامها.
فقدم على رسول الله ركب من بني تميم، فأعلنوا إسلامهم، وأراد رسول الله أن يختار واحداً من بينهم ليكون أميراً عليهم عند عودتهم إلى ديارهم، فاقترح سيدنا أبو بكر أن يكون (القعقاع) أحد أشراف هذه القبيلة أميرها، واقترح سيدنا عمر أن يكون (الحابس بن الأقرع) أميرها، فقال أبو بكر لعمر: “ما أردت إلا خلافي”.
فقال عمر: “ما أردت خلافك”، فتماريا حتى علا صوتهما، فنزلت الآية الكريمة لترجعهما عن فعلهما، وتنهى المؤمنين من أن يتعجلوا بين يدي رسول الله بقولٍ أو فعل، وألا يقترحوا أمراً لم يؤذن به الله أو رسوله.
سبب نزول الآية الثانية من سورة الحجرات
ورد في كتب أسباب النزول أن هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، حيث كان في أذنه وقر، وكان جهوري الصوت فإذا حدث أحداً رفع صوته وجهر به، فربما كان يكلم رسول الله فيتأذى بصوته، فنزلت الآية الكريمة لتأمره وغيره من المؤمنين بأن يتأدبوا مع رسول الله، وألا تعلو أصواتهم على صوت النبي عند مخاطبته، وألا يعلنوا له باسمه كما ينادي بعضهم بعضاً.
وقد قال ثابت بن قيس بعد نزولها: “أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا من أهل النار” فوصل حديثه إلى النبي فقال: “هو من أهل الجنة”.
كما قد ورد عن بعض السلف أن هذه الآية نزلت استكمالاً للآية الأولى التي نزلت في أبي بكر وعمر عندما رفعا صوتهما في حضرة النبي، فقال ابن الزبير: “فما كان عمر يسمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد هذه الآية حتى يستفهمه”.
سبب نزول الآية الثالثة من سورة الحجرات
بعد نزول الآية الثانية التي تنهى المؤمنين عن رفع أصواتهم على صوت رسول الله تألى أبو بكر ألا يكلم رسول الله إلا كأخي السرار، فكان هذا سبباً في نزول الآية الثالثة إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ لتبين أن أولئك الذين يخفضون أصواتهم عند رسول الله هم الذين امتحن الله قلوبهم لتقواه، وأخلصهم لها.
سبب نزول الآية الرابعة والخامسة من سورة الحجرات
قال زيد بن الأرقم في نزول هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) * أنه جاء إلى رسول الله جماعة من الناس يقال أنهم جفاة بني تميم فجعلوا ينادونه وهو في حجرته “يا محمد يا محمد، اخرج إلينا فإن مدحنا زين وذمنا شين”.
فخرج لهم رسول الله قائلاً: “إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين”، فقالوا: “نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك”، فقال رسول الله: “ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا”.
فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبانهم: “قم فاذكر فضلك وفضل قومك” فقام فقال: “الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه وآتانا أموالاً نفعل فيها ما نشاء فنحن من خير أهل الأرض ومن أكثرهم عدة ومالاً وسلاحاً، فمن أنكر علينا قولنا فليأت بقولٍ هو أحسن من قولنا؛ وفعالٍ هو أحسن من فعالنا”.
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لثابت بن قيس بن شماس: “قم فأجبه”، فقام فقال: “الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، دعا المهاجرين من بني عمه أحسن الناس وجوهاً وأعظمهم أحلاماً فأجابوه فالحمد لله الذي جعلنا أنصاره ووزراء رسوله وعزاً لدينه، فنحن نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فمن قالها منع منا نفسه وماله، ومن أباها قتلناه وكان رغمه في الله تعالى علينا هيناً أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات”.
فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبانهم: “قم يا فلان فقل أبياتاً تذكر فيها فضلك وفضل قومك”.
فقام الشاب فقال:
- نَحنُ الكِرامُ فَلا حَيٌّ يعادلنا = فينا الرُؤوسُ وَفينا تُقسِمُ الرَبعُ،
- ونطعم الناس عند القحط كلهم = من السديف إذا لم يؤنس القزع،
- إِذا أَبَينا فَلا يَأبى لَنا أَحَدٌ = إِنّا كَذَلِكَ عِندَ الفَخرِ نَرتَفِعُ.
فأرسل رسول الله إلى حسان بن ثابت فانطلق إليه، فقال: “وما يريد مني وقد كنت عنده؟”.
قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم وخطيبهم فأمر رسول الله ثابت بن قيس فأجابهم، وتكلم شاعرهم فأرسل إليك تجيبه، فجاء حسان فأمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يجيبه فقال حسان: “مره فليسمعني ما قال فأنشده ما قال”، فقال حسان:
- نَصَرنا رَسولَ اللَهِ وَالدينُ عَنوَةٌ = عَلى رَغمِ باد مِن مَعدٍ وَحاضِرِ،
- أَلَسنا نَخوضُ المَوتَ في حَومَةِ الوَغى = إِذا طابَ وِردُ المَوتِ بَينَ العَساكِرِ،
- وَنَضرِبُ هامَ الدارِعينَ وَنَنتَمي = إِلى حَسَبٍ مِن جذمِ غَسّانَ قاهِرِ،
- فَلَولا حَياءُ اللَهِ قُلنا تَكَرُّمًا = عَلى الناسِ بِالخيفينِ هَل مِن مُنافِرِ،
- فَأَحياؤُنا مِن خَيرِ مَن وَطِئَ الحَصى = وَأَمواتُنا مِن خَيرِ أَهلِ المَقابِرِ.
فقام الأقرع بن حابس فقال: “إني والله لقد جئت لأمر ما جاء له هؤلاء وقد قلت شعرًا فاسمعه” فقال: “هات”.
فقال:
- أَتَيناكَ كَيما يَعرِفُ الناسُ فَضلَنا = إِذا فاخَرونا عِندَ ذِكرِ المَكارِمِ،
- وَإِنّا رُؤوسُ الناسِ في كُلِّ مَعشَرٍ = وَأَن لَيسَ في أَرضِ الحِجازِ كَدارِمِ،
- وإن لنا المرباع في كل غارة = تكون بنجد أو بأرض التهائم.
فقال رسول الله: “قم يا حسان فأجبه”، فقام حسان فقال:
- بَني دارِمٍ لا تَفخَروا إِنَّ فَخرَكُم = يَعودُ وَبالاً عِندَ ذِكرِ المَكارِمِ،
- هَبَلتُم عَلَينا تَفخَرونَ وَأنتُمُ = لَنا خَولٌ مِن بَينِ ظِئرٍ وَخادِمِ،
- وَأَفضَلُ ما نِلتُم مِن المَجدِ وَالعُلى = رَدافَتَنا مِن بَعدِ ذِكرِ الأَكارِمِ،
- فَإِن كُنتُم جِئتُم لِحَقنِ دِمائِكُم = وَأَموالِكُم أَن تُقَسَموا في المَقاسِمِ،
- فَلا تَجعَلوا للَهِ نَدًا وَأَسلِموا = وَلا تَفخَروا عِندَ النَبِيِّ بِدارِمِ،
- وَإِلا وَرَبُ البَيتِ مَالَت أَكُفَنا = عَلى هامِكُم بِالمُرهَفاتِ الصَوارِمِ.
فقام الأقرع بن حابس فقال: “إن محمدًا لمؤتي له والله ما أدري ما هذا الأمر تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولاً وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر”، ثم دنا من رسول الله فقال: “أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله”، فقال النبي: “وما يضرك ما كان قبل هذا؟” ثم أعطاهم رسول الله وكساهم، وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله، فنزلت الآيات الكريمة من سورة الحجرات.
سبب نزول الآيات 6-8 من سورة الحجرات
نزلت هذه الآيات الكريمة والشهيرة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فقد روى الإمام أحمد عن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي، قال: “قدمت على رسول الله فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه وأقررت به، فدعاني إلى الزكاة، فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله، أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، فيرسل إليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رسولا لإبان كذا وكذا، ليأتيك ما جمعت من الزكاة”.
فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول، فلم يأته، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله عز وجل ورسوله، فدعا بسروات قومه، فقال لهم: “إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان وقت لي وقتاً يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة كانت، فانطلقوا فنأتي رسول الله”.
وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق، فرق فرجع، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: “يا رسول الله، إن الحارث منعني الزكاة، وأراد قتلي”.
فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه، إذ استقبل البعث، وفصل من المدينة، لقيهم الحارث، فقالوا: “هذا الحارث!!”، فلما غشيهم، قال لهم: “إلى من بعثتم؟”، قالوا: “إليك”، قال: “ولم؟”، قالوا: “إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله”.
قال: “لا والذي بعث محمداً بالحق، ما رأيته بتة، ولا أتاني”، فلما دخل الحارث على رسول الله قال: “منعت الزكاة، وأردت قتل رسولي؟” قال: “لا والذي بعثك بالحق ما رأيته، ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله، وخشيت أن تكون كانت سخطة من الله عز وجل، ورسوله”، فنزلت آيات سورة الحجرات من قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ حتى قوله * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)*.
سبب نزول الآية التاسعة من سورة الحجرات
نزلت هذه الآية الكريمة في طائفتين من الأوس والخزرج تقاتلا بالنعال والأيدي، فنزلت الآية وبها أمر من الله تعالى بأن يتصالحا، وذلك ما ورد عن أنس -رضي الله عنه- قال: قيل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: لو أتيت عبد الله بن أبي بن سلول، فانطلق إليه النبي وركب حماراً، فانطلق المسلمون يمشون معه وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي قال بن سلول: “إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك”.
فرد عليه رجل من الأنصار: “والله لحمار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطيب ريحا منك”، فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه، فغضب لكل واحدٍ منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال”.
سبب نزول الآية الحادية عشر من سورة الحجرات
نزل الجزء الأول من هذه الآية الكريمة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ في ثابت بن قيس بن شماس الذي كان في أذنيه وقر، فإذا جاء لمجلس الرسول سعوا له الناس حتى يجلس بجوار النبي ويسمعه، وقد جاء بن قيس يوماً وقد أخذ كل الناس مجالسهم، فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول “تفسحوا”، فقال له أحد الرجال: “قد أصبت مجلساً فاجلس”.
فجلس ثابت مغضباً، فغمز الرجل قائلاً: “من هذا؟” فقال: “أنا فلان”، فقال: “ابن فلانة” وذكر أماً كانت له يُعير بها في الجاهلية؛ فنكس الرجل رأسه استحياءً، فأنزل الله تعالى هذه الآية التي تنهاهم عن الاستهزاء والسخرية من بعضهم بعضاً، عسى يكون المستهزأ به خيراً عند الله تعالى.
بينما نزل الجزء التالي من الآية وهو وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ في امرأتين من نساء النبي، سخرا من السيدة أم سلمة لأنها ربطت حقويها بسبنية وهي ثوب أبيض وسدلت طرفها خلفها فكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: “انظري إلى ما تجر خلفها كأنه لسان كلب”.
بينما قال ابن عباس أنها نزلت في السيدة صفية بنت حيي بن أحطب، إذ أتت رسول الله وقالت: “يا رسول الله إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين”، فقال رسول الله: “هلا قلت: إن أبي هارون وإن عمي موسى وإن زوجي محمد”.
أما عن قول الله تعالى وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ نزل لأنه كان للرجل في أيام الجاهلية عدة ألقاب وأسماء، فكان إذا دعا أحداً منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: “يا رسول الله إنه يغضب من هذا”، فنزلت الآية تنهاهم أن يعير بعضهم بعضاً بلقبٍ يكرهه.
سبب نزول الآية الثالثة عشر من سورة الحجرات
اختلف المفسرون في تحديد سبب نزول هذه الآية يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ فمنهم من قال أنها نزلت الآية في الواقعة ذاتها التي نزلت بها الآية الحادية عشر؛ حين قال قيس بن ثابت للرجل الذي لم يفسح له بالمجلس: “ابن فلانة”، فسمع رسول الله الحوار وسأل: “من الذاكر فلانة؟”، فرد ثابت: “أنا يا رسول الله”.
فقال النبي: “انظر في وجوه القوم، ما رأيت يا ثابت؟”، فقال: “رأيت أبيض وأحمر وأسود”، فقال النبي: “فإنك لا تَفضُلهم إلا في الدين والتقوى”، ونزلت بعدها الآية الكريمة.
بينما قال مقاتل عن نزول هذه الآية أنها نزلت يوم فتح مكة، حيث أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلالاً حتى أذن على ظهر الكعبة، فعاب أهل قريش على بلال بسبب لونه؛ فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: “الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم”، وقال الحارث بن هشام: “أما وجد محمد غير هذا لغراب الأسود مؤذنا؟!”، وقال سهيل بن عمرو: “إن يرد الله شيئاً يغيره”، وقال أبو سفيان: “إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء”.
فأتى جبريل -عليه السلام- النبي وأخبره بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا، فأنزل الله تعالى الآية الكريمة وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء.
بينما قال يزيد بن شجرة أن هذه الآية نزلت في غلامٍ مؤمن أسمر اللون، كان واضعاً شرطاً لمن يشتريه أن يسمح له بالصلاة خلف رسول الله في الخمس صلوات، فشراه رجل على ذلك، وكان النبي معتاداً على رؤية الغلام في المسجد، إلا أنه فقده ذات يوم، فسأل عنه، فقيل له أنه محموم، فقال سيدنا محمد: “قوموا بنا نعوده”، ولكن استمر مرض الغلام حتى توفى، فتولى رسول الله غُسله وتكفينه ودفنه، فغار أهل المدينة.
فقال المهاجرون: “هجرنا ديارنا وأموالنا وأهلينا فلم ير أحد منا في حياته ومرضه وموته ما لقى هذا الغلام”، وقالت الأنصار: “آويناه ونصرناه وواسيناه بأموالنا فآثر علينا عبداً حبشياً”، فنزلت الآيات لتنهاهم عن هذا الفعل وتبين لهم أنهم جميعاً بنو أب واحد وأم واحدة، وأن أفضلهم عند الله أتقاهم.
سبب نزول الآيات 14-18 من سورة الحجرات
نزلت هذه الآية في أعراب من بني أسد بن خُزيمة؛ قدموا إلى رسول الله في المدينة المنورة في سنة جدبة، فأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، فأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وكانوا يمنون على رسول الله ويلولن له: “أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأعطنا من الصدقة”، فنزلت الآية الكريمة فيهم * قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ*.
التعريف بسورة الحجرات
هي سورة مدنية، نزلت متفرقة في عدة مواقف وقعت في السنة التاسعة من الهجرة، وتتضمن معظم آيات هذه السورة مواعظ ووصايا من الله تعالى للمؤمنين عند تعاملهم مع رسول الله، والتعامل فيما بينهم، وقد نزلت سورة الحجرات بعد سورة الجاثية وقبل سورة التحريم، وسميت بـ الحجرات لورود هذه الكلمة بأحد آياتها، وليس لها أسماء أخرى.
تتألف سورة الحجرات من ثماني عشر آية كريمة، وتعد السادسة بعد المائة من حيث ترتيب النزول، والتاسعة والأربعون من حيث ترتيب المصحف الشريف، وتقع في الجزء السادس والعشرين منه.
المصادر: المكتبة الشاملة + جمهرة العلوم + تسهيل فهم وتدبّر القرآن + الإسلام سؤال وجواب + هدى القرآن + إسلام ويب.





