ما سبب نزول سورة الحشر (القصة بشكل مختصر)
واجه رسول الله والمسلمون في المدينة المنورة العديد من المكائد والمؤامرات التي دبرها الأعداء من المنافقين واليهود، تعرفوا على سبب نزول سورة الحشر التي تصف بعض هذه المكائد وجزاء فاعلها.
سبب نزول سورة الحشر
نزلت سورة الحشر في يهود المدينة المنورة؛ وبالتحديد في طائفة بني النضير، فبعد وصول سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة باشر بتنظيم العلاقات فيها؛ ووضع عهد أو مصالحة مع اليهود على ألا يعادوا رسول الله، وألا يعينوا الأعداء عليه، وألا يقاتلوا معه، ثم مرت الأيام والشهور ووقعت غزوة بدر التي انتصر فيها المسلمون على مشركي قريش، فتيقن يهود المدينة أن محمداً هو النبي المذكور لديهم بالتوراة بأن لن ترد له راية.
ورغم هذا اليقين لم يؤمنوا به؛ بل وقرروا نقض عهدهم معه وخيانته، فعندما أرسلت إليهم قريش لتحثهم على قتل رسول الله قائلة: “إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم -وهي الخلاخل- شيء”، عزم بنز النضير على قتل النبي وأرسلوا إليه وأظهروا نية الرغبة في الإيمان، بينما كان الهدف الحقيقي هو إغتياله فقالوا له: “ليخرج منا ثلاثون حبراً حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك، ليسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك كلنا”.
فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- في ثلاثين رجلاً من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبراً من اليهود، حتى إذا برزوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض: “كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلاً من أصحابه كلهم يحب أن يموت قبله؟”، فأرسلوا إلى رسول الله: “كيف نفهم ونحن ستون رجلاً؟ اخرج في ثلاثة فقط من أصحابك، ونخرج إليك ثلاثة من علمائنا إن آمنوا بك آمنا بك كلنا وصدقناك”.
فخرج النبي في ثلاثة من أصحابه وخرج ثلاثة من اليهود واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها (وهو رجل مسلم من الأنصار) فأخبرته خبر ما أراد بنو النضير الغدر برسول الله، فعلم رسول الله بالهدف الحقيقي وراء طلب مقابلته، فرجع دون مقابلتهم.
وقد تكررت محاولات بنو النضير لقتل رسول الله، ففي أحد الأيام ذهب إليهم رسول الله ليستعين بهم على تقديم فدية إلى قبيلة بني عامر المتحالفة معهم (بسبب قتل أحد الأنصار رجلين من هذه القبيلة)، فأظهروا نيتهم على المساعدة ولكنهم وجدوها فرصة لا تعوض لقتل النبي وهو في نفر قليل من أصحابه يجلسون بجوار جدار قريب من بيوتهم، فقالوا: “إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حالته هذه ورسول الله إلى جانب جدار من بيوتهم قاعد؛ هل من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة؟”، فنزل الوحي على سيدنا محمد أخبره بنية اليهود فانصرف.
واستمرت خسة ودناءة اليهود، فقد خرج أحد اليهود وهو كعب بن الأشرف مع أربعين من اليهود إلى مكة المكرمة ليعاهدوا قريش ويتعاونوا معهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد، وعلى أن يتعاونوا على قتله، وأجروا هذا العهد مع أبي سفيان بين الأستار والكعبة، ثم رجعوا إلى المدينة، فنزل الوحي على سيدنا محمد يخبره بما فعل اليهود، فأمر رسول الله محمد بن مسلمة بقتل كعب بن الأشرف جزاءاً له.
ومع توالي مواقف الغدر والخيانة قرر رسول الله طرد يهود بني النضير من المدينة، فحاصر بيوتهم وأمهلهم أيام معدودة حتى يخرجوا ويأخذوا معهم أموالهم، فما كان من منافقي المدينة الذين يدعون الإسلام ويسرون الكفر والنفاق أن يرسلوا إلى اليهود ويحثوهم على الثبات والقتال؛ ووعدوهم بأن يمدوهم بألفين مقاتل، لكنهم لم يوفوا بوعدهم، فاستمر الحصار أياماً طويلة قيل أنها 15 يوماً.
وخلال هذه الأيام بحث سيدنا محمد عن وسيلة تجبر بني النضير على الخروج من المدينة، فأمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا له: “زعمت يا محمد أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح عقر الشجر المثمر وقطع النخيل؟ وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟” فشق ذلك على النبي ووجد المسلمون في أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فسادا في ذلك، فقال بعضهم: “لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا”، وقال البعض الآخر: “بل اقطعوا”.
فأنزل الله تبارك وتعالى الآية الخامسة من سورة الحشر ما قَطعتم مِن لينةٍ حتى آخرها تصديقاً لمن نهى عن قطع النخل وتحليلاً لمن قطعه، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله تعالى وحده، ثم استمر الحصار حتى استسلم اليهود وخرجوا من بيوتهم حاملين معهم أموالهم دون السلاح كما أمرهم رسول الله.
لكن من غيظهم وحقدهم الشديد على المسلمين هدموا وخربوا بعض بيوتهم أثناء خروجهم حتى لا ينتفع بها المسلمون، ورغم ذلك تركوا وراءهم الكثير والكثير من الأموال والممتلكات مثل البساتين وأشجار النخيل والبيوت والأراضي، فأشار بعض شيوخ المسلمين على رسول الله تماشياً مع سنة جاهلية بأن يأخذ رسول الله ربع هذه الممتلكات ويترك لهم الباقي يقسموه بينهم، فنزلت آيات سورة الحشر لتبين أحكام توزيع الفيء (أي الغنائم التي أخذت بدون قتال أو حرب)، فهي لا تقسم كالغنائم بل تصرف في الصالح العام للمسلمين وفقاً لما يقدره رسول الله.
كما اقترح الأنصار تقسيم هذه الأموال مناصفةً مع المهاجرين فقال رسول الله: “لا ولكنهم يكفونكم المؤونة وتقاسمونهم الثمرة والأرض أرضكم”، فقالوا: “رضينا” فأنزل الله تعالى الآية التاسعة من سورة الحشر وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
كما وردت رواية أخرى في سبب نزول وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ إذ نزلت في رجل أنصاري وزوجته، حيث استقبلا ضيفاً لرسول الله في بيتهما، وعندما سأل الأنصاري زوجته عن الطعام المتوفر في البيت، أخبرته أنهم لا يملكون إلا قوت الصبية، فطلب منها الأنصاري أن تنيم الصغار، ثم تقدم الطعام إلى الضيف بعد أن تطفئ السراج حتى لا يشعر الضيف بقلة الطعام المتوفر.
ثم أخذ الأنصاري يصدر الأصوات لتوهم الضيف أنه يشاركه الطعام، لكن في الحقيقة قد ترك الأنصاري الطعام كله للضيف حتى يشبع، فنزلت الآية لتمدحهما وقال لهما رسول الله: “لقد عجب من فعالكما أهل السماء”.
التعريف بسورة الحشر
هي سورة مدنية نزلت في السنة الرابعة للهجرة عقب أحداث غزوة وحصار بني النضير، ولهذا يطلق عليها سورة بني النضير، وقد قيل أنها نزلت بعد سورة البينة، وقبل سورة النصر، وهي سورة مميزة فهي الوحيدة التي بدأت وانتهت بالتسبيح لله تعالى، وتقع سورة الحشر في الجزء الثامن والعشرون من المصحف الشريف، وترتيبها فيه هو التاسع والخمسون.
المصادر: المكتبة الشاملة + إسلام ويب + جمهرة العلوم + تسهيل فهم وتدبّر القرآن.
تم نسخ الرابط





