سبعة أيام بدون مشروبات غازية (تجربتي الشخصية)
أخجل أن أطرح سؤالاً حول الضرر الذي ألحقته المشروبات الفوّارة بجسدي الذي ظل سنوات يرتوي منها، حان الوقت ليتنفس الصعداء في سبعة أيام بدون مشروبات غازية.
سبعة أيام بدون مشروبات غازية
لا أتذّكر متى بدأت المياه الغازية في أن تشاركني بكل الأوقات، فقد اعتدت تناولها منذ زمن بعيد، بجانب الوجبات، في المساء وأنا أشاهد التلفاز، في الصباح عندما أستيقظ، بل وفي الأوقات التي أشعر بها بالضجر، كما لو أنها تستطيع تهدئتي بمذاقها المنعش وفقاعاتها التي تدغدغ حواسي.
كنت أعتقد في البداية أن تناولي لمثل هذه الفقاعات المضللة هو مجرد عادة سيئة… قليلًا، وجسدي يستطيع طرد السموم، إذاً لا بأس، لكن مع مرور الوقت أظن أن بدني الهزيل قد رفع الراية البيضاء مُعلناً الاستسلام أمام الكميات الكبيرة التي أُدخلها له من الصودا بشكل يومي.
آلام في المعدة، ارتخاء في الأعصاب، حالة مزاجية سيئة، صداع مستمر، هشاشة في العظام والعديد من المشكلات الصحية التي كنت أرفض ربطها بتناول هذه المرطبات الغازية، فمن يعشق شيئاً يرفض الإيمان بأنه يؤذيه وإن كان يفعل.
ذهبت إلى عدد من الأطباء، فكان سؤال كل منهم قبل الفحص: هل تشربين المياه الغازية؟
فكانت إجابتي المعتادة بابتسامة خجل ترفض توجيه أصابع الاتهام لها وتوبيخها على ما تسببت لي فيه من أمراض: نعم، ولكنها عادة أمارسها منذ وقت طويل، لا أعتقد أنها ستكون السبب الآن في أي من هذه المشكلات، ربما الأمر يتعلق بشيء آخر.
لا أدري ما الذي كنت أحاول طمسه؟ ربما ترفض أذناي أن تقتنع بأنني أعاني من إدمان صغير لا أستطيع الإقلاع عنه، لكن قوتي قررت أن تفاجئني وتضع جسدي في اختبار لمدة سبعة أيام، سبعة أيام فقط بلا مشروبات غازية: هل سأقدر؟
-نعم.
:وإن فشلت؟
-سأحاول مجدداً.
حسناً لنبدأ ونرى إن كانت تلك المشروبات حقاً هي سبب ما وصلت إليه بنيتي أم أنها بريئة من ذلك، وبدأ اليوم الأول…
وضعت وجبة الفطور على الطاولة، دون كوبي المعتاد، شعرت بالفراغ، ولكن حماس البدايات كان قوياً للحد الذي جعلني أستبدل مشروب الفقاعات بالماء، في محاولة بائسة مني لاستساغة الطعام، لكن دون جدوى، فالوجبة خالية من المذاق كلياً، لا أستطيع الاستمتاع بها: تماسكي، هذه البداية فقط..
مر اليوم الأول ولا أخفيكم خبراً كان صعباً للغاية، أو هذا ما كنت أعتقده، ففي اليوم الثاني كان ينتظرني صداع غير مُحتمل، رأسي في حاجة إلى تناول جرعات مكثفة من الكافيين والسكريات كتلك التي كان يحصل عليها من المشروبات الفقاعية.
اهدئي، لنعد كوباً من الشاي الأخضر، لا فائدة! ما رأيك في الأحمر فهو أكثر تأثيراً؟ لا فائدة أيضاً!
ألم الرأس في تزايد تتبعه عدة آلام متفرقة في جسدي، أعتقد لفرط قوتها لم أعد أشعر بآلام معدتي، لننام الآن عسى الأيام تمر سريعاً وتنتهي تلك التجربة التي بدأت براعم نتيجتها في الظهور…
استيقظت في اليوم الثالث ولكنني أشعر بنشاط غريب، يُخيل لي أنني حصلت على قسط رائع من نوم عميق لم أستمتع به منذ أشهر طوال، أشعر بالعطش! كوب من الماء البارد سيفي بالغرض، ما هذا؟ أصبح الماء حلو المذاق، يروي عطشي، ويساعدني على الصمود، لكنه لا يقارن بالمشروبات السامة التي أعشقها حتماً، فهي الحلوة التي مهما تناولت منها تشعر بأنك في حاجة إلى المزيد.
أتى اليوم الرابع وأنا سعيدة بخفتي، نشاطي، حيويتي، وحالتي المزاجية التي تهمس في أذني بأننا تسرّعنا في الحكم على التجربة، فالقرار لم يكن سهلاً لكن النتيجة الرائعة التي بدأت في الظهور تستحق، أين ذهبت آلام عظامي؟ اضطرابات نومي؟ حتى معدتي التي كانت تستغيث عقب كل وجبة أصبحت تعمل في صمت، هل كانت المياه الفوّارة تقتلني بالبطيء وأنا من أُعطيها السلاح بيدي!
وقفت أمام المرآة في اليوم الخامس، أين تلك الحبوب التي كنت أجاهد في إخفائها باستخدام الكثير من مستحضرات التجميل دون جدوى؟ أصبحت بشرتي أكثر نقاء وبدون وضع أية منتجات، هل إلى هذا الحد كانت المشروبات الغازية تدمرني داخلاً وخارجاً وأنا لا أشعر؟
هذه النتيجة التي طالما حلمت بالوصول إليها وأنفقت الكثير من الأموال في سبيل بلوغها قديماً لكن ذلك لم يحدث،
يبدو أن تجربتي لن تكون سبعة أيام فقط، ستكون شهراً، عاماً، بل بقية عمري..
ففي اليوم السادس تمت دعوتي لتناول وجبة الغداء مع أقاربي وبينما يضعون المشروبات الغازية الباردة وسط العديد من الأصناف، مرت أمام عينيّ سنوات عانيت فيها من مشكلات صحية عدة، لم تنتهِ إلا بإقلاعي عن إدماني الوحيد، والذي لن أعود إليه ما حييت، فطلبت عصيراً طبيعياً، وكنت مستمتعة بمذاقه كما لو أنني أتناوله للمرة الأولى.
في اليوم السابع وقفت أمام المُبرد وهو يحتوي على كافة مشروبات السُم الحلو، فبدأت في التخلص منها واحدة تلو الأخرى، نجحت في اختبار قوتي واستعدت سلامتي، لا حاجة لي بها بعد الآن، كنت أظنها شريكة وجباتي، لكنها كانت السُم الذي يُفرّق بيني وبين استخلاص العناصر المغذية من طعامي، بل وكانت السبب في أن تسوء صحتي وأنا لا أزال بربيع عمري، لن أتناولها مجددًا، أعد نفسي بذلك.
تم نسخ الرابط





